فهرس الكتاب

الصفحة 582 من 1217

{رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(165)}

(فصل)

وكما ذكرنا في الباب الأول من الحاجة إلى معرفة آيات الله الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدسه وانفراده ما كان إلا مستبصر بها الجاهل فيؤمن، ويستثيب بها المؤمن فلا يغوى ولا يضل، فهو في هذا الباب مثله، ولا غنى عن دراية أعلام النبوة جملة وتفصيلا، مستبصر بها المنكر معترف، ويستظهر بها المؤمن فلا يزيغ.

وليفصل بين النبي والمتنبي، وينزل الأنبياء صلوات الله عليهم منازلهم.

ومما يعرف ما لنبينا صلوات الله عليه من الدلائل الراحمة والإعلام اللائحة التي لم يبق معها لمرتاب مقال، ولا لسائل سؤال، وقد أرشد الله تعالى النبوة في القرآن كما أرشد إلى آيات الحدث الدالة على الخالق والخلق، فقال عز اسمه: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} .

قال: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .

وقال: {وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى} .

فأخبرته أنه بعث الرسل لقطع حجة العباد.

وقيل في ذلك وجوه:

أحدها: أن الحجة قطعت على العباد هي أن يقولوا إن الله جل ثناءه إن كان خلقنا لنعبده، فقد كان ينبغي أن ييسر لنا العبادة التي يريدها ويرضاها لنا، ما هي؟ فإنه وإن كان في عقولنا وجوب الإستجداء له، ولزوم الشكر أيامًا على نعمه التي أنعمها علينا، فلم يكن فيها أن التذلل والعبودة منا، بماذا ينبغي أن يكون، على أي وجه ينبغي أن يظهر، فقطعت حجتهم، بأن أمروا ونهوا وشرعت لهم الشرائع، ونهجت لهم المناهج، فعرفوا ما يراد منهم، وزالت الشبهة عنهم.

والآخر: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يفرقوا إنا كنا ركب سهو وغفلة، وسلط علينا الهوى، ووضعت فينا الشهوات.

فلو أمدونا بما إذا سهرنا نهينا، وإذا مال بنا الهوى إلى وجه قومنا لما كانت منا إلا طاعة، ولكن لما خلينا ونفوسنا، ووكلنا إليها وكانت أموالنا مما ذكرنا، غلبت الأهواء علينا ولم نملك قهرها، فكانت المعاصي منا لذلك.

والثالث: أن الحجة التي قطعت هي أن لا يقولوا: قد كان في عقولنا حسن الإيمان والصدق والعدل وشكر النعم، وقبح الكفر والكذب والظلم، ولكن لم يكن فيها إن ما ترك الحسن إلى القبيح عذب بالنار خالدًا مخلدًا فيها، وإن من ترك القبيح إلى الحسن أثيب الجنة خالدًا فيها، لأنه إذا كان يدرك بالعقل أن الله جل جلاله خلقًا هو الجنة وخلقًا هو النار الفانية.

كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، هوالنار الفانية.

كيف يدرك أن أحدهما معد للعصاة، والآخر لأهل الطاعة، ولو أنا نعذب على المعاصي وذنوب متناهية عذابًا غير متناهي، أوسار بالطاعة المتناهية، وأما غير منتاهي لما كان منا إلا الطاعة، ولم يكن منا بحال معصية، فقطع الله تبارك هذه الحجج كلها نبعث الرسل وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت