فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 1217

وجاء في التفسير: أنهم كانوا مشفقين من أن يسلبوا الإيمان ثم يوردوا يوم القيامة موارد الأشقياء، وكانوا يدعون الله تعالى بأن لا يفعل بهم ذلك، وهذا عين ما ذكرت، والقول في عامة نعم الله تعالى كالقول في الإسلام، وإن كان الإسلام أعلاها وأعظمها.

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه كان يدعو: «رب لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» وهذا أيضًا للإشفاق من أنه إذا سلب التوفيق لم يملك نفسه ولا يأمن أن يضيع الطاعات ويتبع الشهوات فينبغي لكل مسلم أن يكون هذا الخوف من همه وبالله التوفيق.

وأما الثالث: فما أكثر ما في القرآن من ذكره والبعث عليه.

قال الله - عز وجل - في غير موضع: {ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ} وقال: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} .

وقال: {وَاتَّقُونِ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ} وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} .

إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المجتمعة المعاني ومرجعها إلى الأمر بالتقوى.

وهو أن يقي المخاطبون أنفسهم نار جهنم بفعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه.

ومعنى إتقوني: إتقوا عذابي ومؤاخذتي، والكلام لا يحتمل غيره والله أعلم.

ولعل الإخافة بالوعيد إنما هي لأنه ليس كل مخاطب يكمل لأن يلتقي ما يعرفه من ذلة نفسه وعظمة الله تعالى عن التحويل على ما فيه رضى الله تعالى بالوعيد، فكان الوعيد بينها لأهل الغفلة، ودلالة على ما في العصيان من الشقوة.

وقد جاء في هذا المعنى أخبار كثيرة مرجعها إلى ما ذكرت والله أعلم.

(فصل)

وقد يجد الناس الخوف من أشياء كثيرة مثل خوف الوالد من الموت ولده، وذهاب ماله والغرق أو الحرق أو الهدم، أو ذهاب السمع أو البصر، أو الوقوع بيد سلطان جائر أو إبتلاء بسبع أو عدو ومن كان وما يشبه ما ذكرنا من أصناف المكاره، إلا أن هذا ينقسم إلى محمود ومذموم:

فالمحمود أن يكون الخوف من هذه الأمور مما يمكن أن يكون تحتها من سخط الله جل ثناؤه، فإنها قد تكون عقوبات ومؤاخذات ممن خافها وامتنع ولأجلها من المعاصي خيفة النار، وكذلك إن خشي أن يكون أخذ الله تعالى منه ما أعطاه إيلاء وإختبارًا حتى إن صبروا واحتسب إثابة، وإن جزع وإضطرب لم يسلم لقضائه، وزاد مثلها، فخاف أن ذلك إن كان لم يملك نفسه، وكان منه بعض من لا يحبه الله - تعالى جده -.

ومن هذا الوجه كان إشفاقه وكراهيته لهذه الأمور.

فهذا أيضًا محمود، وهذا خوف ينشأ من المحبة والتعظيم جميعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت