فهرس الكتاب

الصفحة 916 من 1217

(فصل)

ثم إن الله تبارك وتعالى كما وصى بالوالدين الإحسان وكرر من حقوقهما ما عسى يعقل الأولاد عنه، كذلك للأحكام بين الوالدين والمولودين على ما يقتضيه الأصل الذي سبق وصفه، فمن ذلك أنه نهى عن انتهار الوالدين وأمر بالتواضع والذلة لهما من الرحمة وقيل في الرحمة: أنها صفة مركبة من الحب والجزع، وهذا من الآدميين، فلا يجوز مثل هذا على الله، فأمر الولد أن يحب والديه، وأن يكون قلبه لهما بحيث لا يحتمل أن يصيبهما أذى أو يمسهما سوء بألم من أدنى مكروه يصل إليهما.

فإذا كان من الحب لهما بهذه المنزلة، فذلك هو الرحمة، وهو إذا وجدها في قلبه لهما، لم يكن منه انتهار لهما ولا مفارقة لطاعتهما إلا أن يكونا كافرين، ويأمر الوالد بالكفر، أو يكونا فاسقين، فيدعو الولد إلى الفسق فيحرم عليه أن يطيعهما، لأن الله - عز وجل - أولى به منهما، وحقه أولى وأعظم من حقهما، وهو يأمره بخلاف ما يأمرانه به، فطاعته أولى من طاعتهما، ومن ذلك أنه أبطل القصاص عن الأبوين إذا قتلا أو أحدهما الولد.

ومعنى ذلك أنهما كانا سبب وجود الولد، فإنهما قبله قضى الله تعالى عن الولد حقه، لأن القتل لأجله، فيكون بقاؤه بعدما قتل ولده حرًا لكونه سببًا لوجود الولد في الابتداء.

وكذلك إذا قتل ولد والده لم يقتله ولده قصاصًا لهذا المعنى بعينه.

ومن ذلك أنه إذا قذف ولده لم يجلد، لأنه كان سببًا لكل فضيلة من فضائل الأحياء نالها الولد، فجعل ترك الجلد عليه لئلا ينادى به، ولا يألم منه قضاء بحق الولد عنه، فيما كان للولد سببًا لوصوله إليه من نعمة الحياء وغيرهما.

ومن ذلك أن الولد إذا ملك أبويه عتقًا عليه لأنهما كانا سببًا لوجوده، وكل ما تبع الوجود من الفضائل فلم يسلط عليهما بالإسترقاق، لأن حقهما عليه يقتضي أن يخفض لهما جناح الذل من الرحمة.

والإسترقاق إستصغار وإستذلال، فاستحال يستذل من أمر بالذلة لهما، ومن ذلك وجوب النفقة لهما عليه عند الحاجة ليكون سببًا لبقائهما عند حاجتهما إلى معونته، كما كانا سببًا لوجوده.

ومن ذلك أن على الابن أن يعف أباه إذا عاد وبصق.

وقدر الابن على إعفائه ليصونه عن الرجم والجلد فلا يناله واحد منهما من قبله، قياسًا على أنه لو قتله لم يضل لأجله، ولو قذفه لم يجلد لأجله.

فكذلك لا ينبغي أن يناله في بدنه رجم ولا جلد من قبله، ولو لم يعفه وهو قادر على إعفائه، حتى أوقعه السبق في أحد الحدين لكان ذلك قد أصابه من قبله، لأنه قادر على دفعه عنه بالإعقاف ولم يفعل.

فثبت بذلك أن عليه إعقافه.

وذكر بعض العلماء أن الأب لا يحبس في دين الابن، ولم يختلفوا في أنه لا تقطع يده إذا سرق مال الولد.

ومعناه ما مضى، أن ابن الأب سبب لوجود الولد على ما هو عليه من كمال خلقه وتمام إعطائه، فجزي عنه بأن لا ينقص شيء منه لأجله، ومن ذلك أن أحد الأبوين إذا وهب لولده شيئًا وسلمه إليه، كان له أن يراجعه إن بدا له.

قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «لا يحل لأحد أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده» .

ومعنى ذلك أن الوالد لا يعطي ولده ماله إلا استزاده به من بره.

ولا يرجع عطيته في الغالب إلا لعقوق يظهر منه.

فإذا كانت العطية لاستزاده إليه فكانت فيهما عقوق، كانت كما لو وقعت شرط ثواب، فلم يوصل إلى الثواب.

وإذا كانت أحكام الله تعالى موضوعة على ما وضعت، فواجب على الولد أن ينهج في تعظيم الأبوين وطاعتهما المنهج الذي يليق بهذا الموضوع.

فإذا أصبح تقدم إلى الأبوين تقدم العبد إلى سيده وسلم عليهما، أو حياهما بأحسن ما تكون التحية، وانتظر ما يأمرانه به ويمثلانه به، فيبلغ فيه ما يسرهما ويرضيهما عنه إن قدر ولم يحل دونه حائل.

فإن كان له عذر أخبرهما به غير متضجر من أمرهما ولا مستقل إياه على أرفق وجه وأقربه إلى أن يستوحشا عنه ولا يظنا به خلاف ما عنده، وكان في عامة الأوقات لهما كما يحبان ويرضيان.

فإن احتاجا إلى ماله لم يبخل به عليهما.

وإن لم يكن له مال، وكان له كسب واحتاجا إليه كسب عليهما كما يكسب على نفسه، ووفاهما كل ما يفيه نفسه.

وإن أراد الجهاد متطوعًا ولم يكن فقيرًا، فمعناه قعد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال للذي يريد الجهاد: «هل لك أبوان؟ قال: نعم.

قال: ففيهما الجهاد».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت