(فصل)
فإن قال قائل: ما وجه التقرب إلى الله بقراءة القرآن، وإنما نزل القرآن ليعمل به: فما أن يردد الواحد بلسانه الأوامر والنواهي وغيرهما بما خوطب من الفضل!
فالجواب ـ وبالله التوفيق ـ إن في القراءة عدة معاني:
أحدها أنه خطاب الله تبارك وتعالى، وكتابه الجامع وبيان ما يرضاه لعباده وما لا يرضاه لهم، وما هو جاز لهم به إن أساءوا أو أحسنوا.
وفيه أنه معجزة رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - وأكبر أعلامه.
وفيه أن الخطاب به قائم لمن يأتي إلى قيام الساعة.
فأما إنه خطاب خاطب الله تعالى به، فإنه يقتضي أن يقرأ الموقف عليه.
فإن من أمحل المحال أن يخاطب السيد عبده في كتاب على يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فلا يقرؤوا كتابه ولا يعلموا خطابه.
فإن قيل: إذا قرأه الرسول عليهم عند التبليغ، فما يبقى منهم العمل. فما معنى قراءتهم؟
قيل الرسول لا يقرأوه على كلهم، إنما يقرأ على من يحضره إن قرأوا منه ما يأمر بإثباته إلى أن يكون الراغب فيه يتعلمه، فيقرأوه، وعلى أنه لو قرأ كل ما نزل عليه جميع أصحابه ما كان من المعلوم أنهم لا يحفظونه بأول ما يسمعونه، ولا يتفهمونه حتى يعيدوه بعد ذلك على أنفسهم، ويتفكروا فيه ويسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عما يشكل عليهم من معانيه.
إذا كان كذلك، صح أنهم لا يستغنون بقراءة الرسول عليهم عن قراءة أنفسهم.
ثم إذا كان منه الجلي الواضح، ومنه الخفي الغامض، ومنه ما لا ينتظم بما يجاوره وإنما ينتظم لشيء بعيد منه، قد يقدمه، ومنه ما يحتاج إلى انتظار عنه فيما بعد.
فإن وجدوا لا يعلم أنه مضمر محذوف، احتيج إلى تكرير القراءة مع التأمل البليغ ليوقف على حال انتظام ويوصل إلى معرفة الأغراض والمقاصد، فكانت القراءة تكريرها من هذا الوجه برواية.
وأما أنه معجزة الرسول - صلى الله عليه وسلّم -، فإنه يقتضي قراءته ليفرغ المعروف منه السمع الذي هو ملاك الكلام، فيعلم السامع أنه منظوم لا منثور، وأن نظمه لا نظم الشعر ولا نظم الرسائل والخطب، فثبت أنه خارج من المنظوم المعهود، مباين لكلام البشر.
ويقتضي براءته من وجه، وهو أن يصان بكثرة القراءة من المصاحف، وحفظًا من أن ينسى أو يرتاب بشيء منه، أو يكن ملحد على تغيير شيء منه أو زيادة حرف أو نقصانه.
ويكون أحد وجوه حفظ الله تعالى الذي يضمنه بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .