وجاء في ذلك عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال لها عند تفريق لحم الأضحية: «ابدئي بجارنا اليهودي» فدل ذلك على أن معنى الحديث ما ذكرته.
وروى أن شاة ذبحت في أهل عبد الله بن عمرو فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي، ثلاث مرات.
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» .
وقال - صلى الله عليه وسلّم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» .
ومما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - في هذا الباب قوله: «الجار أحق بسقبه» وقيل معناه: أنه أحق بشراء ما يباع من جيرته من الرجل الأجنبي.
وجاء أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ـ عرض داره للبيع وطلب منه ثمانمائة درهم، فما زادها أبو رافع بأربع مائة فقال له: لولا أني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - يقول: «الجار أحق بسقبه» لما بعتكما بأربعمائة.
فلقد طلب مني ثمانمائة درهم، فحمله الصحابي السامع له من رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، على هذا المعنى، وإياه فهم منه.
وقيل معناه: أنه أحق شفعة باتباع، إذ كانت الشفعة لا تنيب إلا فيما يمكن.
قلت: الشركة فيه جوار بالقسم، فلما أخصت بما يكون فيه الجوار أشبه أن يستحق بالجوار والله أعلم.
وقيل: أراد بالجار الشريك لأن الأغلب أن الشريكين في الدار يشتركان في سكناها فيكون متجاورين بأبدانهما.
ولذلك قيل لامرأة الرجل جارته.
لأن الأغلب أن الزوجين يتعاشران فيتجاوران بأبدانهما والله أعلم.
ويحتمل أن يكون المعنى الذي عظم الجوار، هو أن كل واحد من المتجاورين لائذ بصاحبه، آمن بأمانه، لأن أحدًا لا يمكنه أن يسكن أرضًا وحده، فإنه لا يأمن أن يسلب ويجرب فتقتله المجاعة والعري، أو تفترسه السباع، وإذا كثر الناس واجتمعوا على سكنى ببلد اعتقد بعضهم ببعض، فأحرز بكل واحد منهم ماله وأهله وولده، بجيرانه ورفقائه دفع بعضهم عن بعض.
وكل من كان ألصق بآخر، كانت هذه الفائدة له من منه أوفر.
وكان به من قبلها أخص.
فلما فات أن يصل إلى القيام بهذا الحق على جميع أهل البلد.
أمر بأن يقوم على الأحضين به منهم وهم الجيران.
ولهذا كانت الزكاة موضوعة في جيران المال، ولم يجز أن يعدل بها عنهم ما دام يوجد فيهم من يكن وضعها فيه منهم، والله أعلم.
وحد الجوار من كل وجه من البيت إلى أربعين بيتًا.
وروي أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم -، فقال: إني نزلت محلة قرم، وإن أقربهم إلي جوار أشدهم لي أبدًا.
فبعث النبي - صلى الله عليه وسلّم - أبا بكر وعمر وعليًا يصيحون على أبواب المساجد: إلا أن أربعين دارًا جار ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه.
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلّم - «ليس بمؤمن من لا يأمن بوائقه لأن الجوار سبب الأمن كما يثبت، فإذا خاف الجار الجار، كان كمن أمنه رجل فعدا عليه فقتله، فيكون قد جازى الحسنة بالسيئة، ولذلك ملوم في الطبائع ومذموم في الشرائع» .
(فصل)
وأما الرفيق في السفر، فإنه جار لأنه والرفيق يتجاوران بدنًا ومكانًا، ولكل واحد منهما في صاحبه من الفائدة والمنفعة مثل ما ذكرنا منها في المتجاورين، في المتجر أو القرية، ولذلك وقعت من الله - عز وجل - التوصية به، والله أعلم.