فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 1217

ويدل على أن المراد بالآية هذا، أن الله - عز وجل - لا يضاعف له العذاب، فبان أن المراد بها أن من جمع بين الشرك وغيره من الكبائر، فيصير العذاب مضاعفًا عليه، وذكر الخلود في هذا الموضع، فثبت أنه لاحظ في ذلك لمن اقتصر على الكبائر التي هي دون الشرك، ولم يضم إليها شركًا.

ويدل على هذا أيضًا أنه - عز وجل - لما ذكر التوبة قال: {إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} ، فذكر في التوبة الإيمان والعمل الصالح، فثبت أن الوعيد على من أشرك وضم إلى الشرك أعمالًا سيئة فكانت توبته، أن يؤمن ويعمل في إيمانه الأعمال الصالحة، فيحبط الإيمان كفره ويحبط إصلاحه في الإيمان إفساد الذي كان في الكفر.

ومثل هذا جاء حديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، وقد أثبتناه في أول الكتاب ـ وبالله التوفيق ـ وإن جعلوا دلالتهم على صحة تأويلهم، قول الله عز وجل: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} ، قيل لهم: جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ذلك جزاؤه إن جازاه» ، وكذلك يقول ويذهب إلا أن لا يجازيه لأنه من حكمته أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء والقتل دون الشرك فثبت أنه قد يغفره لمن يشاء.

وأيضًا فإنه لم يقل: فجزاؤه جهنم إلا أن يتوب، ولكن حمل المطلق منهما على أنه الاستثناء التي كان تأويلها عندهم أنها في صاحب الكبيرة، كافرًا كان أو غير كافر، فلا يدفعونها عن أن تحملها على الآية التي فيها وعد المغفرة، فيقول: «ذلك جزاؤه» لولا أن الله تعالى وعد أن يغفر ما دون ذلك لمن يشاء أن يغفر أصلًا، فلا يأخذ فاعله به.

وإذا كان كذلك، علمنا أنه إذا أخذه به لم يخلده النار لأنه لا قائل يقول: إن من القائلين من يعفو عنه، وإن لم يكن قدم توبة فلا يعاقب أصلًا ومنهم من يخلد في النار.

فإن قيل: انفصلوا عمن قلت هذا عليكم، فنقول: قد ثبت بقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} لبعض أصحاب الكبائر، فيجريه مجرى الشك، لأنه قد حكم تائبًا ما عدا الشرك، وإذا كان دونه كانت عقوبته دون عقوبته، فصح أن القلب الذي ادعوه لا يتوجه لهم وبالله التوفيق.

فإن قيل: قالوا عقوبته دون عقوبة الشرك في الخفة والغلظ لا في طول المدة وقصرها.

قيل لهم: انفصلوا فيمن قال هو في الطول والقصر لا في الخفة والغلظ، وإذا لم يكن أحد هذين القولين أولى من الآخر ولم يكن بينهما تنافي وجب أن يجمع بينهما فيقال: عقوبة بما دون الشرك دون عقوبة الشرك في الخفة وقصر المدة وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت