فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 1217

كما لا يجوز أن يوصف بأنه شاء لوجود نفسه، ولأن ما تعلق وجوده بمشيئة شاء وجب أن يكون وجوده بعد المشيئة، ولأن مشيئة الموجود لما ليس في حال المشيئة لمعدوم، ولا يقوم في وهم.

وإنما يتصور في مثل هذا أن يقال: أنه شاء لبقاء الموجود وذلك أيضًا لا يصح، لأن الجواهر إن لم تزل موجودة معه، فوجودها معلوم بمشيئته.

وإذا كانت موجودة لا بمشيئته لم يحتج في بقائها إلى مشيئة، لأن القديم لا يجوز عليه العدم وبالله التوفيق.

ويقال له: إذا نفيت عن الباري صفة الإبداع، دليلك على وجوده؟ فإنا إذًا نستدل على وجوده، فوجدنا آثار الحدث في عامة الموجودات، واقتضائها محدثًا، فإن لم تكن الموجودات محدثات فيما إذا عرفت أن لها بارئًا وأثبته.

فإن قال: وجب عن وجوده وجودها من غير اختيار كان منه ولا إرادة، دخل عليه ما ذكرت في الوجه الأول، وهو أن يقال له: محدث بعد أن لم تكن أو لم تزل موجودة معه.

فإن قال: لم تزل موجودة معه.

قيل له: فما الفصل بينك وبين من قال: إنها علة لها؟ وقيل أيضًا عن الدليل الذي دله مع هذا القول على التمادي ولن تجد إليه سبيلًا.

ويقال له: ما أنكرت أن هذا حكم فاسد، لأن وجود غيره من قبل اقتضائه إياه يحل قدم ذلك الغير، لأن القديم هو الموجود لنفسه لا لسبب فإن كان لوجوده سبب كان موجودًا من قبل ذلك السبب، ولم يستحق الوصف بالموجود إلا من جهته خاصة، فثبت أن الجمع بين إثبات القديم لغيره ووصفه بأن وجوده كان من قبل انقضائه إياه قول متناقض وحكم فاسد.

وإن قال: حدثت بعد أن لم يكن.

قيل له: إن جاز أن يحدث بعد أن لم يكن لا باختياره، فأجوز من ذلك وأحق أن تكون حادثة باختياره.

وأيضًا فإن وجوده لو اقتضى وجودها لا باختياره لوجب أن تكون قديمة لأنه قديم.

ولما جاز له أن يكون موجودًا، وما يجب وجوده عن وجوده غير موجود لأن ذلك لو جاز وقتًا لجاز أبدًا ومنه بطلان أن يكون الباري علة كما قال هذا القائل وبالله التوفيق.

(فصل)

وإذا ظهر أن العالم صنع صانع حي عالم قادر حكيم، فالحكيم لا يخلق خلقًا، ولا يفعل فعلًا لا لغرض صحيح منه، وهذا هو المعنى الذي نبه الله - عز وجل - عليه عباده بقوله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} ، وبقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} .

أي لا لشيء أو من غير غرض كان في خلقهم.

وإذا ثبت ذلك، وكان العالم مشتمل على حي عاقل مبين، وعلى أحياء لا تفعل ولا تبين وجماد، لم يجز أن يكون ما يقل مخلوقًا لما لا يعقل، لأن العاقل أفضل وأشرف من غير العاقل، فلا يجوز أن يكون العاقل الحكيم خلق الأشرف للإدراك والأفضل الأنقص، لأن ما كان مخلوقًا لغيره كان المخلوق له هو الغالب عليه إذا كان سببًا لوجود ما خلق له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت