فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 1217

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ...(110)}

ومما خص هذه الأمة به من نعمه أن جعلهم أمة وسطًا ليكونوا شهداء على الناس، فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} .

وذلك لأنه جعلهم أمة خير الأنبياء وأفضل الرسل صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.

وجعل شريعته آخر الشرائع تنسخ كثيرًا مما تقدمها ولا يأتي بعدها ما ينسخها، ووضع عنها الأمار والأغلال التي كانت على المتقدمين، وبناها على السهولة والسماحة، ووعدهم على لسان نبيه صلوات الله عليه أن يكونوا أكثر أهل الجنة، هذا مع حقه بحملهم وقصور أمدهم، فإنه قال: بعثت والساعة كهاتين، وضم أصبعيه السبابة والوسطى».

إن كادت الساعة لتتيقن، وذلك مثل ضربة لقربها، ودلالة على أن مبعثه من أشراطها إذ كان نبي آخر الزمان كما تقدم به من الله البيان.

لكن الله تعالى ضاعف لهم أجور أعمالهم كرامة لنبيه - صلى الله عليه وسلّم - فقال فيما يروى عنه: «إنما مثلكم فيمن مضى قبلكم كرجل استأجر أجيرًا فعمل له من أول النهار إلى الظهر بقيراط، فأولئك اليهود.

ثم استأجر أجيرًا فعمل من الظهر إلى العصر بقيراط، فأولئك النصارى.

ثم استأجر أجيرًا فعمل له من العصر إلى آخر النهار بقيراطين فأولئك المسلمون.

فغضب الأولان وقالا: نحن أكثر عملًا وأقل أجرًا.

فقال: هل منعتكم من أجوركم شيئًا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء».

ثم إنه - عز وجل - ضمن لهذه الأمة حفظ القرآن، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

ولم يضمن مثل ذلك للأولين في الكتب التي أنزلها عليهم لأنه قال: {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ} .

فأخبر أنهم استحفظوه ولم يخبر بأنه ضمن لهم حفظه فأداهم الأمر إلى أن صنعوا كتبهم.

وأخبر الله تعالى ما وعده، فحفظ فينا كتابه وهو حافظه بفضله إلى أن تقوم الساعة، وسعة رحمته.

ثم إنه - عز وجل - خص هذه الأمة باجتهاد الرأي في التوارث والأحكام، ووضع عنهم الخطأ فيه ما لم يكن منهم نقص في الاجتهاد، ومسامحة أنفسهم فيه، وميل بالهوى إلى وجه من الوجوه المحتملة دون غيره وقصد إلى أن يظهر الرجحان دون ما سواه، فانبسط لسعيهم من علم الدين ما كان منطويًا، وظهر منه ما كان كامنًا مختفيًا وقام بتخليص الأصول وتفريع الفروع قوم يقوم خبر النبي - صلى الله عليه وسلّم - عنهم والبشارة بهم، حيث قال فيما روي عنه: «إن في أمتي قومًا كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» .

فانتهوا فيها إلى أقصى حدود الإمكان، وظهرت لهم فيما تكلفوه من الله آثار الكرامة وخلد المدح والثناء عليهم إلى يوم القيامة.

وبلغ قوم سواهم في نصرة الدين والرد على الملحدين مبلغًا لما يبلغه ذو ملة ممن خلا في نصرة دينه، فما بقوا للمخالفين شبهة إلا حلوها، ولا حجة فيما عندهم إلا دفعوها، ولا نبأ لهم إلا هدموه، ولا أصلًا إلا كسروه، فخلص الدين بحمد الله محروسًا بالسيف والقلم، ظاهرًا من الله تعالى على سائر الأديان ظهور العلم.

وكل ذلك مما أنعم الله تعالى به على هذه الأمة من الإمداد الذي أمدهم بها، والمعادن التي أجزل حظوظهم بينها، وإن عددنا نعمه لم نحصها فله الحمد دائمًا والشكر واجبًا كما يستحقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت