فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 1217

وإن قال النصراني لا إله إلا الله وكان يعتقد من قبل أن عيسى هو الله لم يكن هذا منه إيمانًا بالله إيمان، وهكذا إن كان يعتقد أن عيسى ابن الله حتى يتبرأ من دينه الأول، فإن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فهو يعلم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلّم - جاء بأن الله لم يلد ولم يولد، وإن عيسى عبد الله ورسوله كان إيمانًا تامًا صحيحًا، وإن كان لا يعلم ذلك لم يكن نازعًا عن كفره حتى يتبرأ من قوله.

فإن قال قائل: إذا كان من يدخل في الإسلام لا يحتاج في صحة إيمانه بمحمد - صلى الله عليه وسلّم - إلى أن يعلم ما الذي جاء به من الشرائع، فلم احتاج إلى أن يعلم أنه جاء بإبطال التشبيه، وبأن لا شيء دون الله قديمًا حتى يصح إيمانه به!

قيل: الشرائع لا طريق إلى معرفتها إلا السمع وهو يعرض التبديل.

فمن صديق بنبوة نبي فقد ألزم أن يقبل شرائعه عنه، وأما توحيد الله - تعالى جده - وتنزيهه عن الأشياء فليس إدراكه مختصًا بالسمع، ولكنه مما يدل بالعقول، وما ثبت من ذلك فليس بممكن أن يتبدل ويتغير.

فمن اعتقد أن شيئًا سوى الله قديم وأن الله تعالى يشبه شيئًا من خلقه فإنما زل عن المعقول، ونحل العقل مالا جواز له فيه، واعتقد أنه لا يمكن أن يكون الحق غيره.

ومن كان بهذه الصفة فأي شيء من الأشياء فإنما يؤمن به على أن يقبل عنه مالا يعرف إلا بالسمع، وما يمكن أن يكون قد يدل على لسانه من شريعة غيره، ولا يظن به أنه يأتي بخلاف ما هو المعقول عنده، فدخل في جملة إيمانه به تقبل شرائعه ولم يدخل فيها نفي التشبيه وإبطال أن يكون قديم سوى الله إلا أن يكون علم أنه أتى بهما، فاتبعه على ذلك وآمن به والله أعلم.

كذلك النصراني إذا كان يزعم أن عيسى أخبرهم أنه إله، أو ابن إله وابن الإله، فهو يرى أن هذا لا يتبدل ولا يجوز أن يصح خبر بخلافه، فلم يكن ذلك كالشرائع التي تعلم أنها تعرض التبديل، ولم يصح إيمانه بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - حتى نعلم أنه جاء: بأن عيسى عبد الله وأن الله لم يلد ولم يولد، وأن عيسى لم يكن يحيي الموتى، ولا يبرئ ذوي العاهات، ولا يجعل الطين بنفخة طائرًا، وإنما كان يفعل ذلك كله ربه الذي خلقه، ويتبعه على ذلك ويؤمن به فيكون بذلك راجعًا عن مقالته والله أعلم.

وإذ قال الثنوى: (لا إله إلا الله) لم يكن مؤمنًا حتى يتبرأ بقدم النور والظلمة، وإن قال: لا قديم إلا الله كان مؤمنًا.

وإذا قال الوثني: (لا إله إلا الله) ، فإن كان من قبل يثبت الباري جل جلاله ويزعم أن الوثن شريكه صار مؤمنًا.

وإن كان يرى أن الله هو الخالق، ويعظم الوثن يتقرب إليه، كما حكى الله - عز وجل - عن بعضهم أنهم قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} .

فلم يكن مؤمنًا حتى يتبرأ من عبادة الوثن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت