فهرس الكتاب

الصفحة 195 من 1217

{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(163)}

(باب في الإيمان بالله تعالى)

جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» .

وهذه الشهادة فرض تجمع الاعتقاد بالقلب والاعتراف باللسان، والاعتقاد والإقرار وإن كانا عملين يعملان بجار حتين مختلفتين فإن نوع العمل واحد، وما مثلها إلا مثل من قال شيئًا وكتبه، فإنه وإن عمل عملين بجارحتين مختلفتين فإن نوع العمل واحد، وهو الإبانة عما حصل مبينًا باليد واللسان من قرآن أو شعر أو حديث أو مثل أو قصص أو ما كان من أصناف الكلام أو مثل من مد يده ورجله إلى شيء فحركه، فإنه وإن كان عمل عملين بجارحتين مختلفتين، فإن نوع العمل واحد وهو تحريك شيء بعينه.

فكذلك الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان عملان يعملان بجارحتين، إلا أن نوع العمل واحد، والمنسوب إلى القلب منه هو المنسوب إلى اللسان والمنسوب إلى اللسان هو المنسوب إلى القلب، كما أن المكتوب مما جمع بين كتبه وقوله هو المنقول، والمنقول هو المكتوب.

فإن قيل: فما العمل الحاصل بالاعتقاد والإقرار؟

قيل: مجموع عدة أشياء: أحدها: إثبات الباري - عز وجل - جلاله ليقع به مفارقة التعطيل.

والثاني: إثبات وحدانيته ليقع به البراءة من الشرك.

والثالث: إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة من التشبيه.

والرابع: أن وجود كل ما سواه كان من قبل إبداعه واختراعه إياه لتقع به من قول يقول بالصلة والمعلول.

والخامس: إثبات أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما شاء لتقع به البراءة من قول القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة.

فأما البراءة بإثبات الباري - عز وجل - والاعتراف له بالوجود من معاني التعطيل، فإن قومًا ضلوا عن معرفة الله - عز وجل - وكفروا وألحدوا وزعموا أنه لا فاعل لهذا العالم، وأنه لم يزل على ما عليه، ولا موجود إلا المحسوسات، وليس وراءها شيء، وإن الكوائن والحوادث إنما تكون تحدث من قبل الطبائع التي في العناصر وهي الماء والنار والهوى والأرض، ولا مدبر للعالم يكون ما يكون باختياره وصنعه.

فإذا أثبت المثبت للعالم إلهًا ونسب الفعل والصنع إليه، فقد فارق الإلحاد والتعطيل، وهذا أحسن مذاهب الملحدين والعاملين يسميهم غيرهم من أهل الإلحاد الفرقة المتجاهلة وقد يدعونهم غير الفلاسفة.

وأما البراءة من الشرك إثبات الوحدانية، فلأن قومًا ادعوا فاعلين، وزعموا أن أحدهما يفعل الخير والآخر يفعل الشر، وزعم قوم أن بدء الخلق كان من النفس، إلا أنه كان يقع منها لا على سبيل السداد والحكمة، وأخذ الباري على يدها، وعمد إلى مادة تدعمه كانت موجودة معه لا تزل، فركب منها هذا العالم على ما هو عليه من السداد والحكمة، وإذا ثبت المثبت أن لا إله إلا الله واحد، وأن لا خالق سواه، ولا قديم غيره، فقد انتفى عن قوله الشريك الذي هو في البطلان، ووجوب اسم الكفر لقائله كالإلحاد والتعطيل.

وأما البراءة من التشبيه بإثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، فلأن قومًا زاغوا عن الحق فوصفوا الباري جل ثناؤه ببعض صفات المحدثين، فمنهم من قال: إنه جوهر، ومنهم من قال: إنه جسم، ومنهم من أجاز أن يكون على العرش كما يكون الملك على سريره، وكان ذلك في وجوب اسم الكفر لقائله كالتعطيل والتشريك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت