فإن قيل: إني كنت لا أقول أن الاعتقاد وحده إيمان ثابت، لا نقول إن الصلاة وحدها إيمان، ثم لم يمتنع من أن يقول: إن أقام الصلاة زيادة إيمان، فلم امتنع علي أن أقول تأكدًا لاعتقادي زيادة إيمان؟ وقيل له: ليسا سواء، لأن زيادة الاعتقاد والإقرار بالصلاة عندي كزيادة المال بانضمام مستقاد منه مستقاد، اتفق الجنس أو اختلف، وكل شيء من ذلك حدث، فلا يقتضي صحة وصفة بالزيادة معي سوى سلامة الحادث قبله.
فكذلك هذا، وأما أنت فإنك تجعل الاعتقاد الماضي بما حدث من تأكده أقوى، وتلك القوة الحادثة محض الاعتقاد ولا تتعداه إلى الإقرار، وإذا كان عندك، أن مجموع الاعتقاد والإقرار هو الإيمان؟ لم يكن لك أن تقول: إن تأكد الاعتقاد وحده وقوته زيادة إيمان.
وأما أنا فإني أجعل سابغ الأعمال زوائد إيمان من طرق كثيرة الأجزاء والعدد.
فكلما أحدث منها حادث، وصادفه ما تقدمه ثابتًا، صح لي أن أقول زيادة إيمان، لأنه من طريق العدد.
فكثر بما تقدمه، والذي تقدمه يكثر به.
وهذا فرق ما بيننا.
وجواب آخر: عن أصل الكلام وهو الذي يسلمه، من أن تأكد الاعتقاد زيادة إيمان، حجة عليه.
لأن أدنى اليقين كاف للنقل عن الكفر إلى الإيمان.
ثم كان ما جاوزه مما يدني المتيقن من المضطر زيادة إيمان باتفاق، ولم تكن العلة فيه إلا أنه زيادة تصديق.
فكذلك كل حادث من طاعة فهو فصل تصديق، لأن الطاعة لا تكون إلا لأمر مرغوب إليه مرغوب إياه.
فإذا وجدت من أحد كان وجودها تصديقًا بالمعبود والموعود.
فوجب أن يكون ذلك إيمانًا، وحدوثه حدوث إيمان.
فإن قال: التصديق الواقع بالفعل هذا الذي سبق وقوعه بالاعتقاد.
وإنما الفعل إظهار لذلك التصديق.
قيل: هذا لا يمنع من أن يكون الفعل تصديقًا سوى التصديق الواقع بالاعتقاد.
فيكون انضمامه إليه زيادة تصديق حادث، كما أن الإقرار إظهار للمعتقد أيضًا ثم لا يمنع ذلك من أن يكون تصديقًا سوى التصديق الواقع بالاعتقاد، ويكون انضمامه إليه زيادة تصديق حادث والله أعلم.
وأما قول الله عز وجل: {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِيمَانًا} .
فليس المراد به: أن المؤمنين يزدادون يقينًا، وإنما هو: ويصدق المؤمنون بالله ورسوله.
فهذا الخبر غير شاكين فيه، فيزداد إيمانهم بانضمام شعبة منه إلى شعبة تقدمتها، وهذا يوجب أن يكون تصديق حادث زيادة إيمان.
وما من طاعة تحدث إلا وهي تصديق حادث كما بينت، فوجب أن يكون إيمانًا.