وإذا كان الأمر على ما وصفت كان الجواب عن قول القائل: إن لم تكن معصية المؤمن من فروع الكفر: فما هي؟ أن يقال: هي من فروع هواه ووقوع شهواته.
والكفر أيضًا من فروع هواه وشهواته، والكفر والمعاصي من ينبوع واحد.
فإما أن تكون معاصي المؤمن فروعًا لكفر غير موجود منه، فذلك محال! وإذا استحال هذا لم يجز أن يقال: أنها تحبط حسناته وطاعاته.
لأن الإيمان كما لا يبطل إلا بالكفر، فكذلك فروعه لا تبطل إلا بالكفر، إذ الطاعات إيمان ولا ضد للإيمان إلا الكفر والله أعلم.
ومما يدل على فساد هذا القول أيضًا أنه يؤدي إلى المحال، لأن قائله يقول: إن السيئات تحبط الحسنات ما وجدتها، فيتخلص المسيء بما يخطر من حسناته من عذاب النار، حتى إذا لم يبق أصل الإيمان فعمل سيئة هلك وحقت عليه النار، وهذا محال.
لأن الحسنة إنما كانت تقي صاحبها النار، فأولى بذلك حسنة الإيمان نفسه، لأنه أصل، ولا أصل أقوى.
فينبغي أن يكون أحصن وأوفى.
فأما أن يكون ما دونه يكمل لدفع النار عن صاحبه، والأصل لا يكمل لذلك فهذا لا يبين له وجه.
وبالله التوفيق.
فإن قال صاحب هذا القول: إني لا أقول ما يؤدي إلى المحال الذي ذكرت، ولكني أقول: إن كل معصية فهي تحبط من الطاعة المتقدمة بقدرها، فإذا أحاطت المعاصي بالطاعات التي دون الإيمان أحبطتها، والعذاب مع ذلك واجب على صاحبها إلا أن يعفو الله تعالى عنه، فلا أقول أن بطلان الطاعة عذاب المعصية دون النار، بل هو كما أجمع المسلمون عليه من أن المسلم إذا ارتد حبط ما مضى من إيمانه، ثم لا يكون ما يبطل من ثواب إيمانه جزاء كفره حتى لا يدخل النار، بل النار جزاؤه لإحباطه إيمانه.
فكذلك معصية المؤمن إذا أحبطت طاعاته إلى دون الإيمان، كان جزاء إحباطه إياها النار.
وإذا كان هذا هكذا: وكانت الطاعة إيمانًا، فحبطت بالمعصية، فقد تحقق نقصان الإيمان بالمعصية.
قيل له: إن الذي ظننته لا يصح لأن ثواب الطاعة إذا بطل لأجل المعصية فقد سلب فائدة الطاعة.
فوجب أن يسقط بذلك ضرر المعصية.
ولو جاز أن يحرم ثواب الطاعة ـ ومع ذلك يعذب بالنار على المعصية ـ جاز أن يعذب مرتين.
فأما المرتد فليس له عند الله ثواب.
فمن وافاها كافرًا فلا وعد له منه.
قيل: لو لم يواف بها لم تنفعه الشفاعة كما لا تنفع المرتد، ولما نفعته صح أن قد وافى بها.
وأيضًا فإن من الفروق بينهما أن المرتد ناقض الإسلام بالكفر، والنقض حرام عليه.
فإذا وجد منه حبط إسلامه بنقضه إياه، واستحق العذاب على النقض.
وأما المحسن بإقام الصلوات وإيتاء الزكوات، إذا زنا أو سرق أو شرب، فليس ينقض شيئًا من ذلك ما قدم من طاعاته، لأن الزنا ليس ضد الصلاة، فيصير ناقضًا له بها.
ألا ترى أن هذا هكذا يكون في أحكام الدنيا.
فإن المرتد يكلف إعادة عقد الإيمان، والزاني بعد صلاته لا يكلف إعادة الصلاة، والسارق بعد صيامه وزكاته لا يكلف إعادة صومه وزكاة ماله.
وإذا كان هذا هكذا، صح أن الزنا إن أحبط الصلاة أو شيئًا منها، فليس يمكن أن يكون ذلك إلا على وجه معاقبة الزاني على الزنا بحرمان ثواب الصلاة عنه.
فإن كان ذلك واقعًا فلا ينبغي أن يعذب مع ذلك بالنار، فيكون كمن عذب مرتين، وبالله التوفيق.