فهرس الكتاب

الصفحة 668 من 1217

{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(32)}

فإن قال قائل: ما وجه التقرب إلى الله - عز وجل - بالامتناع مما أباحه الله وأحله، ولم يخلقه إلا لمنفعة عباده من المطاعم الشهية، والملابس الناعمة البهية، والمساكن النزهة، والفرش اللينة؟ فإن قلتم: نتركها في الدنيا لئلا تنقص لأجلها حظوظنا من نعم الآخرة.

قيل لكم: النقص من نعيم الآخرة حرمان، والحرمان عقوبة، ولا عقاب على من استحل حلالًا واستباح مباحًا.

فلم قلتم إن التنعم بنعيم الدنيا ينقص من نعيم الآخرة أن يفوته؟

فالجواب ـ وبالله التوفيق ـ: إن الذي يظهر من وجه التقرب إلى الله - عز وجل - بترك التنعم من نعيم الدنيا أمران: أحدهما أن المقيم في الدنيا غير عالم بما هو صائر إليه، وهو يتمثل بين أن يكون من أهل الجنة أو من أهل النار.

وإذا كان كذلك لم يكن في حاله محمل للتلذذ والتنعم، لأن النعمة لا تكون نعمة حتى يهيئ صاحبها، ولا تهيؤ للنعمة مع الخوف، ولا خوف أشد من خوف النار.

ومعلوم فيما بينا أن من كان من سلطانه على رجل من وعيد وقع له منه فلا يتهيأ معه بنعمة، ولم تمل نفسه إلى شيء من الشهوات ما لم يأمن جانبه، ويفرغ من ذلك الوعيد قلبه.

فالوعيد الواقع من الله - عز وجل - أحق أن يشغل عن اللذات ويلهى عن الطيبات، إذ وعيده واقع بما لا طاقة لأحد به، ولا صبر لبدن عليه والله أعلم.

والآخر: إن النعم المباحة مقتضية ممن ينعم بها شكرًا يقضي حقها، ولا شك في قوى العباد عن مقابلتها عن الشكر بما يكون لها توًا، فكان الاستماع بها مع قلة الحمل بحقها استهانة لها، وإعفاء عن حق موليها المنعم بها وذلك خيانة.

فإنما روى أهل البصائر: والإعراض عنها لئلا تنقلب النعمة عليهم نقمة، ولا تتبدل المنحة محنة.

وذلك رأي لاحق لا يلام من وقع له فعمل به والله أعلم.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سلوا الله أن يرزقكم يومًا بيوم ولا عليكم أن يكثر لكم.

ومما جاء في قصر الأمل: قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إن آدم عليه السلام قبل أن يصيب الخطيئة كان أجله بين عينيه وأمله خلف ظهره، فلما أصاب الخطيئة جعل أمله بين عينيه، وأجله خلف ظهره» .

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، ما يكفيني من الدنيا قال: «ما سد جوعك، ووارى عورتك، ومنزل يظلك وإن كانت لك دابة تركبها» وفي رواية أخرى «وإن كان لك خادم يخدمك فذلك» .

سئل الزهري رضي الله عنه عن الزهد في الدنيا فقال: أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره.

أي لا يقصر في شكر الحلال إذا أصابه ويصير عن الحرام إذا أشبهناه ولا نواقعه.

وقال أبو عبيدة الباهي دخلنا على الحسن نعوده في مرضه قال: مرحبًا بكم وأهلًا، حباكم الله بالسلامة، وحبتنا وإياكم دار السلام، هذه علانية حسنة إن صبرتم وصدقتم واتقيتم، لا يكونن حظكم من هذا الخير، رحمكم الله أن تسمعوه بهذا الأذى.

ويخرج من هذا الأذن، فإنه من رأى محمدًا - صلى الله عليه وسلّم - فقد رآه غاديًا ورائحًا لا يضع لبنة على لبنة ولا فضة على فضة، ولكن رفع له علم فشمر إليه الوجاء الوجاء، ثم النجاء النجاء على ما تعرجون، أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معًا.

وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام تلقاه الجنود وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء، فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالتك هذه فقال: إنا أعزنا الله بالإسلام، فلن يلتمس العز بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت