فهرس الكتاب

الصفحة 584 من 1217

فدل هذا على أن الأوائل لم تصل إلى معرفة ما عرفت وإدراك ما أدركت مما سبق ذكره بمجرد أفها وعقولها، ولكنها وقعت على الأصول بالخير بما إستنبطت بازائها من تلك الأصول ما وجدت فيها إدلالة عليه، ثم أن النبي أخبرهم بأوائل هذه لو كان منهم في التجلي بفعله، والإِنفراد برأيه وفهمه لم يكن عاجزًا مثلهم.

فصح أن الأخبار لها إنما كان ممن وفقه الله تعالى عليها وأمره بالأداء إلى غيره، فأولئك المخبرون المؤدون عن الله هم الرسل صلوات الله عليهم، ثم إن وجود الكلام للناس يدل على الرسل، وذلك أن الموجود المعروف فيها شاء أن لم يسمع الكلام أصلًا لم يتكلم، فأن من ولد أصم لا ينطق أبدًا وإنما ينطق من يولد سمعًا فيسمع كلام جنسه وينشأ عليه، فلولا أن بشرًا تكلم كان قد علم البيان واستمع الكلام، لكانت حالة حال المولودين من الناس اليوم ولما يكلم ومن المعلوم أن الصبي لا يتكلم إلا باللغة التي يسمعها، فلولا أن رجلًا من العرب ولدت له تركيه ولدًا، فغاب الوالد عنه ونشأ مع أمه لم ينطق بالعربية التي لم يسمعها وإنما ينطق بالتركية التي سمعها من أمه، ولا يسمع غيرها.

فبان بهذا أن أصل الكلام سمع وإن أول من يتكلم من البشر تكلم عن تعليم ووحي، كما قال الله عز وجل: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَآءَ كُلَّهَا} فأسمعه الأسماء وألهمه علم ما أسمعه، وأقدره على النطق به، فصار متكلمًا.

ثم لما سمع الكلام منه معرف غير معرف نفس الكلام، وبتلقيه بما ركب الله تعالى في لسانه من التيسير له على المراد باستدلال عقلي رجع أصله إلى المعرف والعادة، وهو أن يقف السامع من المتكلم بالعبارة، أو بنقص الإمارات الحالية على أنه إذا تكلم بكذا أو أراد بكذا وأراد كذا، تدله حال المتكلم على إفادته، كما قد تدل الإشارة التي هي دون العبارة على كثير من الإفادة، فأما أصل الكلام سمع ولا يمكن فيه غير ذلك والله أعلم والله أعلم.

وفي ظهور ماوصفت أن الدلائل الدالة على الرسل دالة على القديم جل ثناؤه لا يمكن أن يكون الذي أرسلهم واحدًا مثلهم، فيصح أنه إنما أرسلهم من لا يشبههم، ولا يجوز عليه الجهل والعجز ما يجوز على الناس، وليس إلا للباري القديم جل ثناؤه وتباركت أسماؤه.

(فصل)

ثم إن رسولًا أرسله الله تعالى إلى قومه فلم يجله من إبداء آية وحجة أتاها إياه وجعل تلك الآية مخالفة العادات إذ كان ما يريد الرسول إثباته بها من رسالة الله تعالى أمرًا خارجًا من العادات، فيستدل بإقران تلك الآية بدعواه، وأنه رسول الله واستظهاره بها على تصحيح دعواه على صدقه وإخفائه، فإنه إذا كان لا يتميز عن سائر الناس بأمر يوجب أن ينقص الله تعالى لأجله عادة سوى دعواه أنه رسوله، ولا يعلم لينقص الله تعالى العادة على لسانه أنه أوغل يده، وفي الجملة لأجله ولسببه وجه سوى أن يكون خصه بذلك لتخصيصه إياه مما يدعيه من رسالته بغير هذا الوجه للقبول، لم يكن لتوهم غيره مساغ وإن قال لقومه: وإن كنت مفتريًا على الله فأتوا بمثل ما افتريت، فعجزوا ولم يؤت الله تعالى أحدًا منهم مثل الذي أتاه مع حاجتهم إليه لمعارضة وتكذيبه، إن كان كاذبًا مفتريًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت