فهرس الكتاب

الصفحة 915 من 1217

(فصل)

وقد اختلفت الدلائل في كون الجنين، فذهب بعضهم إلى أن يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد في الدم الذي يكون فيه.

وذهب غيرهم إلى أنه يكون من ماء الرجل والمرأة معًا.

ومن قال بالقول الأول، قال: إنما نسب إلى الأب ولم ينسب إلى الأم لأنه خلق من ماء الأب ولم يخلق من ماء الأم.

وذهب إلى أن حق الأب ألزم وأعظم لأنه جزء منه منسول من بدنه وليس بسلالة من الأم، واحتج بقول الله - عز وجل - {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ} .

وقوله: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى} فدل ذلك على أن الخلق كان من ماء واحد.

ومن قال بالقول الثاني: قال: إنما ينسب الى الأب دون الأم لما سبق بيانه ولأن القيام بمصالحه كلها من النفقة وغيرها عليه.

أما الخلق فإنه منهما.

وذهب إلى أن حق الأم أعظم وأوجب، واحتج بقول الله عز وجل: {ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى} وقوله: {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ} .

وقال: أراد به إصلاب الرجال وترائب النساء.

ولأن المرأة تمني كما يمني الرجل، ولو لم يكن منها خلق لم يكن لها شيء.

وبأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - سألته امرأة عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، هل عليها الغسل؟ فقالت لها أم سلمة: فضحت النساء وهل ترى المرأة ذلك؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «نعم، يكون شبه الخؤول والعموم، إذا علا ماء الرجل أشبه الولد الرجل، وإذا علا ماء المرأة أشبه الولد المرأة» ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إذا رأت إحداكن الماء الدافق فلتغتسل» .

ومن ذهب إلى هذا، قال: ذكر الله - عز وجل - أنه خلق الإنسان من السلالة والنطفة ولكنه لم يصفه إلى أحد الأبوين دون الآخر كالسلالة لهما والنطفة منهما بدلالة قوله عز وجل: {خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَآئِبِ} .

وقد قال - عز وجل - في قصة الطوفان: {فَالْتَقَى المَآءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} .

وإنما أراد ماء السماء وماء الأرض، لأن الإلتقاء لا يكون إلا من اثنين، فلا ينكر أن يقول: {خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} ويريد ماءين والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت