فهرس الكتاب

الصفحة 1146 من 1217

{وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(24)فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ(25)}

ومما جاء في شكر النعمة المنضدة إذا حضرت أو كانت خافية، وظهرت السجود لله عز وجل، والأصل فيه قول الله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} .

أخبر الله - عز وجل - في داود أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر أنه سأل الآخر إنما حكى أنه ظلمه.

فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم تحايل الضعف في العظمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقال، ودعاه ذلك إلى أن لا يسأل الخصم، فقال مستعجلًا: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول: كانت لي مائة نعجة، ولا شيء لهذا، فسرق مني هذه النعجة.

فلما وجدتها عنده، قلت له: أرددها، وما قلت له: اكفلنيها، وعلم أني مرافعه إليك فخزي قبل أن أجره، وجاءك متظلمًا مني قبل أن أحضره لتنظر أنه هو الحق، وأني أنا الظالم.

وكما تكلم داود بما حملته العجلة عليه علم أن الله - عز وجل - خلاه فعتبه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرها، إن ذلك لم يكن إلا عن تقصير عرفه فيه، فاستغفر ربه وسجد لله شكرًا على أن عصمه.

فاقتصر على تظليم الشكو، ولم يزده على ذلك شيئًا من انتهار أو ضرب أو غيرهما مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له، ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: {يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} .

فبان بما أخصه الله تعالى من هذه الموعظة التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم والمبادرة إلى تظليم من لم تثبت عنده مظلمة.

وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سجدها داود شكرًا، فسجدها النبي - صلى الله عليه وسلّم - اتباعًا، وسجدها لذلك، فثبت أن السجود للشكر سنة متوارثة عن الأنبياء عليهم السلام.

فإن قيل: ليس في الآية ذكر السجود؟

قيل: بلى، فيها ذلك قال عرف عن الحسن خر ساجدًا، وإن سجد خر حتى ركع.

وإنما أراد بذلك أنه لما قيل {خر} وكان الراكع لا يخر.

إنما يخر الساجد، علم أنه ركع ثم خر كأنه كان قائمًا فانحنى.

ثم لم يقتصر على ذلك حتى خر فسجد، وقد تظاهرت الأخبار أنه سجد وأطال عندما استشعر بالخطيئة فدل ذلك على أن المعنى بالآية هو السجود والله أعلم.

وأما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - فقد جاء عنه أنه رأى نقاشًا يقال له رتيم، فقرأ فخر النبي - صلى الله عليه وسلّم - ساجدًا، وقال: «الحمد لله الذي لم يجعلني مثل رتيم» ، هذا على أنه لم يكن رأى خلقًا في نقصان خلق رتيم، فلما رآه حمد الله تعالى على ما أكمل من خلقه، فكان كمال خلقه حتى لا يكون كرتيم نعمة خافية عليه، فلما ظهرت له سجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت