فهرس الكتاب

الصفحة 990 من 1217

{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(19)}

(باب في الستر على أصحاب القروف)

قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} .

وقال - صلى الله عليه وسلّم - لهزال: «هلا سترت عليه ولو بثيابك!» .

وقال - صلى الله عليه وسلّم: «من أتاه على مسلم عورة ليشينه بها بغير حق شانه بها في النار يوم القيامة» .

وقال - صلى الله عليه وسلّم: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رجله» .

وهذا قدر يلتحق بالباب الذي قبل هذا، لأن أحدًا لا يحب أن يهتك ستره، فينبغي أن لا يهتك ستر أخيه.

وقد يزيد عليه بأن في إشاعة الفاحشة على واحد من المسلمين خيفة أن يفتدى به فيها من أهل الملة من يسمع مواقعته لها.

وفيها أيضًا إشمات أعداء الملة بأهلها، ويمكنهم من القدح فيهم والثلب لهم، ونسبهم إلى أنهم غير معتقدين ما يظهرون.

فمن هذين الوجهين ينبغي الستر على أصحاب المعاصي والقروف، كما ينبغي من الوجه الذي سبق في الباب الذي قبل هذا شرحه.

ومنها تخفيف أمر الفاحشة على قلب من يشاع فيه، لأنه ربما كان يخشى أن يعرف أمره ولا يرجع إلى ما قارفه أو يستغل منه.

فإذا هتك ستره اجترأ وأقدم، واتخذ ما وقع منه عادة، فيعسر بعدها عليه النزوع عنها، وهذا إضرار به.

فينبغي أن يتقي من هذا الوجه الرابع، كما وجب أن يتقي من الوجوه المتقدمة.

ومنها إسقاط جاهة وحرمته بين الناس، لأنه لا ينظر إليه بعدما عرف منه كما كان ينظر إليه من قبل بتطليق الألسنة بالسب والشتم، وهذا أيضًا نوع من الإضرار به.

فينبغي أن يصان عنه.

فإن قيل: فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أترغبون عن ذكر الفاجر أو الفاسق، اذكروه بما فيه كي يحذره الناس» ؟

قيل: هذا في الفاسق المجاهر المعلق بذكر ما فيه، لأنه لا يبالي بذلك، ليحذره من لم يبلغه حديثه، فلا يعقد نكاحًا بشهادته، ولا يقتصر على إشهاده في الحقوق التي يجب توثيقها بالشهود.

فأما من بدرت منه زلة في خفية، وظاهره عند الناس جميل، فهو خارج عن حكم هذا الحديث، وملتحق بالجملة الأولى، وبما جاء عنه - صلى الله عليه وسلّم - من قوله: «أقيلوا ذوي الهنات عثراتهم أو زلاتهم» .

فالإمساك عنه وعن كل مستر أولى، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت