فهرس الكتاب

الصفحة 989 من 1217

فاشتملت هذه الآيات على تحريم الاستهزاء والسخرية وتحريم اللمز وهو الغيب والرفعة، ومعنى {وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ} : لا يلمز بعضكم بعضًا كما قال: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ} أي لا يقتل بعضكم بعضًا وتحريم التنابز بالألقاب هو أن يدع الواحد أن يدعو صاحبه باسمه الذي سماه به أبوه ويضع له لقبًا يريد أن يسبه به ويستذله، فيدعوه به.

ثم قال: {بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ} فأبان أن فعل هذه المحظورات فسوق بعد الإيمان.

والإيمان يوجب مواصلة أنداده على اعتراض على الموجود منه بما لا يليق به.

ثم قال: {وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .

أي الظالمون أنفسهم يسوقها إلى النار والعذاب الأليم، ثم قال عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} .

فأبان أن ظن القبيح بالمسلم كهمزه ولمزه ونهره والسخر به والهزء به، ونهى عنع وأخبر أنه إثم.

ونهى عن التجسس وهو تتبع أحواله في خلواته وجوف داره والتعرف له.

فإن ذلك إذا بلغه شيئًا وشق عليه، فكان التعرض له من باب الأذى الذي لا موجب له، ولا مرخص فيه، ولأن تتبع هذه الأمور كالإطلاع على ما وراء الباب والستر، وإذا كان ذلك حرامًا كان التتبع من غير الإطلاع مثله.

ولأن البيوت أكناف الناس وحصونهم فمن يتبع عوراتهم ويجس أحوالهم في خلواتهم كان كمن أتاهم من مأمنهم وأفسد عليهم إحرازهم، وكل ذلك حرام ممنوع.

ثم نهى عن الغيبة، فقال: {وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا} أي لا يذكره هو غائب عنه فلو كان حاضرًا فسمعه لسب عليه.

وشبه الإغتياب بأكل لحم الميت لأن الميت لا يشعر بأن يؤكل لحه، كما لا يشعر الغائب بأن يثلب عرضه.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «ما صام من صلى يأكل لحوم الناس» فشبه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم.

فمن ينقص مسلمًا ويثلب عرضه فهو يأكل لحمه حيًا.

ومن اغتابه فهو يأكل لحمه ميتًا.

ونهى النبي - صلى الله عليه وسلّم - عن الغيبة فقيل: «يا رسول الله، أرأيت إن ذكرته بما فيه، قال: إنك إن ذكرته بما ليس فيه فقد بهته» فأبان أن الغيبة المحترمة هو أن يذكره بما يكون فيه، فأما ذكره بما ليس فيه فهو من الزور والبهتان وليس من الغيبة في شيء والله أعلم.

ولا ينبغي لمسلم أن يصاخب مسلمًا ولا أن يغلظ له قولًا، ولا أن يتعرض لمسًا، أنه وقد مضى ما يتصل بهذه المعاني في أبواب متفرقة من هذا الكتاب.

وفي ذلك عناية وكفاية إن شاء الله.

ولا ينبغي لمسلم أن يبهت مسلمًا.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: من بهت مؤمنًا أو مؤمنة بما لا يعلم حبسه الله في ردهة الجبال يوم القيامة حتى يجد مخرجًا مما قال، وعن ابن المسيب رضي الله عنه قال: إن من أولى الرياء الإستطالة في عرض المسلم.

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «رحم الله من كف لسانه عن أعراض المسلمين إلا بأحسن ما يقدر عليه، فإنه لا تحل شفاعتي لطعان ولا لعان» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت