فهرس الكتاب

الصفحة 988 من 1217

فلا يتغير من صورة القاذف عندهم بمجاراة المقذوف إياه ما يتغير من صورة المقذوف بابتداء القاذف.

فلا يكون قذفه نائلًا من عرضه ما ناله هو بالابتداء من عرضه.

ويكون كمن جاء إلى قاتل أبيه وهو ميت فجز رقبته، فهو وإن فعل من جز الرقبة به فعل ما فعله هو بأبيه، فلم ينل منه ما نال هو من أبيه لأنه لم يقتله.

فكذلك المقذوف وإن قال للقاذف مثل ما قال القاذف له لم يكن نائلًا من عرضه مثل ما نال هو من عرضه أولًا، فلم يكن ذلك قصاصًا والله أعلم.

ولا يحصل لأحد أن يعير أحدًا بذنب كان منه، وقد كان التعيير بالزنا عقوبة للزاني قبل أن ينزل الحد، فلما نزل الحد رفع، وأما التعيير بعد التوبة فلم يكن مباحًا قط.

قال الله عز وجل: {وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} .

ولا أن يعيره بحسب مذموم ولا بحرفة دنية ولا بشيء يثقل عليه إذا سمعه، فإن إيذاء المؤمن في الجملة حرام.

قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} .

والحسب المذموم ليس من اكتساب المعير به والحرمة، وإن كانت لنسبه فليس بمكسب محرم.

فالتعير بكل واحد منهما بل لإيذاء المحظور المحرم.

ويحتمل أن يكون معنى قوله {بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ} أي من غير أن يكتسبوا، سواء بمكان المؤذي فيحل له بذلك أن يؤذيه، وهذه أوجه المعنين.

وإذا كان كذلك فليس الحسب المذموم ولا الحرفة الدنية إساءة من المعير بهما، إذ المعير بمكان ذلك من الإيذاء الذي وصفه الله - عز وجل - بأنه بهتان وإثم.

وأيضًا فإن التثويب وإبداء ما يثقل على القلب من أحوال البغضاء والتقاطع، والمؤمنون يتوصون في أنفسهم بالتآلف والتعاطف وأن يكونوا اخوة في أعدائهم يدًا واحدة، ويصلوا الصلوات جماعة، فما دعا إلى التقاطع والتباين فهو مخالف للدين فلا يحل يتبع ولا بحال وبالله التوفيق.

ومر بهذا الباب قول الله عز وجل: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُواْ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُواْ بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإَيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اجْتَنِبُواْ كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت