وأيضًا فإن المعارضة بإبراهيم عليه السلام تسليم لفضل نبينا - صلى الله عليه وسلّم - على ما عدا إبراهيم.
وقد ذكر الله - عز وجل - في كتابه نوحًا ثم قال: {وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} فإذا جاز هذا المعارض تفضيل نبينا - صلى الله عليه وسلّم - على نوح فكيف يأبى تفضيله على من هو شيعة نوح وبالله التوفيق.
وأما المعارضة بالحرمين فلا يلزم، لأن مكة حرم الله تعالى حرمها يوم خلق السماوات والأرضين، وبذلك وردت الأخبار وجعلها مع ذلك موضع النسك وما عداه من الحرم فهو تحريم الدار للدار.
ويحتمل أن يكون معنى إبراهيم حرم مكة، أن أمر البيت والحرم كان قد عفى ودرس.
فلما أحياه الله تعالى على يدي إبراهيم بين على لسانه الحل والحرم.
فأخذ الناس حكم الحرم عنه، لأن التحريم كان في ذلك الوقت.
وأما تحريم المدينة، فإن كان على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلّم - ولم يكن قبله، ولا المدينة أيضًا موضع نسك، واختلف الحرمان من هذا الوجه الذي قدره المعارض والله أعلم.
وإما أن أول من يكتسي إبراهيم، فقد ذكرت فيه ثلاثة أوجه فيما تقدم.
وأما قولنا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
فلا يدل على ما قاله للسائل، لأن محمدًا لو كان في الفضل دون إبراهيم لما جاز لنا أن نقول: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم، ولما كان ذلك مطلقًا، علمنا أنه ليس في الفضل دون إبراهيم.
قيل: معناه أن الله - عز وجل - أخبر أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم مخاطبة لسارة: {رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} .
وقد علمنا أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - من أهل بيت إبراهيم، وكذلك آله كلهم.
فمعنى قولنا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين أي أجب دعاء ملائكتك الذين دعوا لآل إبراهيم فقالت: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت في محمد وآل محمد.
كما أجبته في الموحدين كانوا يومئذ من أهل بيته أيضًا، وكذلك تختم هذا الدعاء بقول: «إنك حميد مجيد» فإن الملائكة ختمت دعاءها بقوله «إنه حميد مجيد» وليس في هذا ما يقصر بمحمد عن إبراهيم وبالله التوفيق.
فإن قال قائلون: لم تفضلون محمد على موسى وقد جاء عنه أنه"لا تفضلوني على موسى"لئلا يحمل ذلك اليهود على الرفعة فيه، فيكون ذلك مما عرضه له المسلمون وجروه إليه.
وهو كقول الله عز وجل: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} .
يدل على ذلك قوله: (ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) .
فإن قيل: فلم تفضلونه على يونس، وقد قال: (لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) ؟
قيل معناه: ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس، وهذا لأن الله - عز وجل - أخبر عنه أنه أبق وأنه ذهب مغاضبًا، وأنه لم يصبر على ما ظن أنه يصبه من قومه فقد كان يمكن أن يتوهم متوهم إذا وجد صابرًا على ما يصيبه في ذات الله، قوي العزم على مجاهدة أعداء الله أنه خير من يونس.
فأبان النبي - صلى الله عليه وسلّم - أن ذلك لا ينبغي لأحد أن يقوله، لأن يونس كان نبيًا، وغير النبي لا يكون خيرًا من النبي، فهذا معنى الحديث والله أعلم.