(فصل)
فإن قال قائل: رويتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، سئل عن الساعة فقال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» .
وهذا يدل على أنه عنده بها علم.
ورويتم عنه أيضًا قال: «بعثت أنا والساعة كهاتين» .
وهذا يدل على أنه إن كان عالمًا بها، فكيف يأتلف وإن الخبر يبان؟
قيل لهم: قد نطق عنه القرآن بأنه لم يكن يعلمها، ولا أحد من خلق الله عز وجل، لأنه قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
معنى قول النبي - صلى الله عليه وسلّم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أي إني أنا النبي الآخر، فلا يليني نبي آخر، وإنما تليني القيامة وهي مع ذلك دانية، لأن شرائطها متتابعة بيني وبينها، وذلك أنه أشار بإصبعيه المتجاورين إيمانها.
إلا أن توليد الأنبياء عليهم السلام قد انقطع فليس يتراخى الأمر بعده إلى أن ندرس شريعته ويبعث بعده نبي، وإنما تليه القيامة كما تلي السبابة الوسطى، وليست بينهما إصبع، وهذا لا يوجب أن يكون له علم بالساعة نفسها، لأن ما بين الأشراط ولا بدنوها العلم بالساعة والله أعلم.
وهذه الأشراط قد ذكرها الله جملة في القرآن فقال: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا} .
أي دنت، وأولها النبي - صلى الله عليه وسلّم - لأنه نبي آخر الزمان وقد بعث وليس بينه وبين القيامة نبي.