(فصل)
وأما مقدار القراءة فإنه ينظر فيما يريد أن يجيئه من الليل، فإذا كان يريد أن يختلف من الليل ربعًا ثم يقوم ونصفًا أو ربعًا آخر بعشرين ركعة أو بست وثلاثين، قرأ في كل ركعة ما يوافي العدد والوقت الذي في نفسه.
وإن زاد في الركعات الأول، ونقص في الركعات الأخر فلا بأس، لأن الناس يكونون في الأوائل أقوى وأنشط منهم في الأواخر ولا يملهم فيخرجوا.
(فصل)
والمعهود من أمور الناس قديمًا وحديثًا أنهم إذا صلوا قيام شهر رمضان جماعة لم يخالفوا بين العشر الأواخر بين ما قبلها في مقدار القيام.
فينبغي أن يكون العمل على هذا في المساجد وإما ما يستحب من فضل الجد والاجتهاد في العشر الأواخر وطلب ليلة القدر فيها في كل وتر، فذلك تطوع وندب إليه كل من أطاقه على الانفراد ليس الاجتماع عليه سنة.
وسنذكر ما في ليلة القدر في كتابة الصيام إن شاء الله عز وجل.
وأما القيام في غير شهر رمضان، فإنه تطوع مرغب فيه مندوب إليه، ولا يقال له سنة لأن الترخص بتركه غير مكروه، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - ذكر شهر رمضان فقال: «فرض الله عليكم صيامه وسننت عليكم قيامه» .
فلو كان القيام في غير شهر رمضان سنة لم يفارق شهر رمضان غيره، ولم يكن لقوله «وسننت لكم قيامه» معنى، ولا وجب له بذلك فضل على ما سواه.
ولأن قيام الليل في كل وقت سنة لصلاة الناس جماعة، كما أنه لما كان في شهر رمضان سنه صلاة الناس جماعة.
فلما خلوا واختيارهم علمنا أنه تطوع ندب الناس إليه من غير أن ضيق عليهم في تركه والله أعلم.
روى سعيد بن هشام رضي الله عنه أنه سأل عائشة رضي الله عنها عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، قالت له: ألست تقرأ هذه السورة {ياأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} .
قلت بلى قالت: فإن الله تعالى افترض القيام في أول هذه السورة فقام نبي الله - صلى الله عليه وسلّم - وأصحابه حولًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة.
فصار قيام الليل تطوعًا بعد فرضه، وقال الله عز وجل: {وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} .
وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} .
فرغبة في قيام الليل.
ثم مدحه بقيامه، فقال: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} .
وأثنى على سائر المتهجدين فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَآئِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ} .