فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 1217

فإن قال قائل: فما يمنع أن يكون الإيمان بالله إيمانًا لله؟ لأن الإيمان بالله من فرائض الله، وطاعته فيها إيمان له، والإيمان بالنبي إيمان للنبي لأنه مؤمن بنفسه كما هو مؤمن بالله، والإقرار له بذلك متابعة له على ما هو عنده، فرجع الأمر: إلى أن الإيمان بمن يضاف الإيمان إليه والإيمان له سواء، فالفرق بينهما ساقط!

فالجواب: إنا لا ننكر أن يكون هذا هكذا إذا كان أحد هذين المعنيين مضافًا إلى صيغة اللفظ الآخر وإلى تأويله!

وإنما ينكر أن يكون جميعًا مضافين إلى صيغة اللفظ إذا كانت الشواهد التي تقدم ذكرها تشهد بأن كل واحدة من اللفظتين موضوعة لغير ما وضعت له الأخرى.

فكانت نفس الصيغة تدل على ذلك، لأنه إذا قيل: آمنت بكذا، أوجب ذلك الصاق الإيمان بذلك الكذا، إذ الباء عندهم حرف إلصاق، فلا يكاد هذا اللفظ يدل على أكثر من التصديق بذات من أضيف الإيمان بالله.

فإذا قيل: آمنت لكذا، أوجب ذلك إيمانًا غير ملصق بذلك الكذا لكن واقعًا لأجله.

فكان قولهم: «آمنت بالله» ، كقولهم «أثبت الله واعترفت به» .

وقولهم: «أمنت لله» ، كقولهم: «خضعت لله» ، والخضوع له عز اسمه معنى غير إثباته، فلو جاز أن يقال: إن أحدهما هو الآخر.

مع افتراقهما من حيث ذكرت، لجاز أن يقال: إن اسم الصلاة لصيغته موضوع لطاعته، إذ كانت الصلاة لله طاعة له، والصيام وكل عبادة مثلها، فتكون الصلاة صيامًا لأنها طاعة مثله، أو الصيام صلاة لأنه طاعة مثلها، وكل واحد منهما مستعملًا حيث تستعمل الطاعة، إذ كان كل واحد منهما طاعة.

فإذا لم يجز أن يقال ذلك لافتراق الاسمين فيما صيغ كل واحد من اللفظين له من المعنى، فكذلك الإيمان بالله والإيمان لله، هذه منزلتهما.

ويدل على صحة ذلك أن اسم الإسلام يصلح مكان اسم الإيمان عند وصله باللام، ولا يصلح مكانه عند وصله بالباء.

إذ قد يجوز أن يقال: «آمنت لله وأسلمت لله» ، ولا يجوز أن يقال: «أسلمت بالله» كما يقال: «آمنت بالله» .

فثبت بهذا ثبوتًا ظاهرًا إن الإيمان لله غير الإيمان بالله، وأن الإيمان بالله إثباته والاعتراف به.

فلما لم يكن من قولهم أسلمت بالله، هذا المعنى، لم يجز استعماله، وأن الإيمان لله هو الطواعية له باتباع أوامره بعد الاعتراف به، إذ كان اتباع الأمر مع الجحود لا يتحقق، فلما كان ذلك إسلامًا للنفس وتسليمًا لأمر الله، صح أن يقال: «أسلمت لله» ، فبان عما قلنا أن من قال: «آمنت بالله» ، كان الإثبات والاعتراف به هو المعنى المضاف إلى صيغة اللفظ، وأما ما فيه من معنى الطاعة فهو من تأويل اللفظ لا من حكم صيغته.

وأما من قال: «آمنت لله» ، كان الإذعان والطواعية له بقبول أوامره وسائر ما جاء من عنده، هو المعنى المضاف إلى صيغة اللفظ.

فأما ما فيه من معنى الإثبات له والاعتراف به، من حيث إن اتباع الأمر والنهي لا يكون إلا مع الاعتراف، فهو من تأويل اللفظ لا من حكم صيغته، والله أعلم.

ومن هذا الوجه الذي بيناه أوجبنا أن تكون الطاعات كلها: فرائضها ونوافلها إيمانًا، ولم نوجب أن تكون المعاصي الواقعة من المؤمنين كفرًا.

وذلك أن الكفر بالله أو برسوله مقابل الإيمان به.

فإذا كان الإيمان بالله أو برسوله الاعتراف به والإثبات له، كان الكفر به جحوده والنفي له والتكذيب به.

فأما الأعمال فإنها إيمان لله ولرسوله بعد وجود الإيمان به.

والمراد به إقامة الطاعة على شرط الاعتراف المتقدم، فكان الذي يقابله هو الشقاق والعصيان دون الكفر، فلذلك قلنا إن تارك الاتباع مع الثبات على التصديق فاسق وليس بكافر.

وكان هذا هو الذي يوجبه اللسان إلى أن يحقق المعاني وينظر فيما يوجبه، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت