ولو كان مكان ذلك: «ويؤمن بالمؤمنين» لما جاز ولا صلح.
فثبت بما اقتصصنا أن الصلتين موضوعان لمعنيين متغايرين لا لمعنى واحد.
ويدل على صحة ما ذكرت أن اسم التصديق الذي هو حقيقة الإيمان قد يحتمل صلتين: إحداهما الباء والأخرى الهاء.
فأما الباء فإنه يليق بالتصديق وبما يتصرف عنه من فعل ونعت.
وأما الهاء فإنه يلزم ما ينصرف عنه من فعل، فإذا جاء النعت جازت اللام مكان الهاء، فيقال: «صدقت فلانًا وصدقت به» ، فمعنى صدقته أثبت قوله وخبره ووثقت بصحته ومعنى صدقت به: أثبت وجوده وكونه.
ثم يقال: صدقت به وأنا مصدق.
وإذا قيل صدقته، جاز أن يقال: «وأنا مصدقة ومصدق له، قال الله تعالى: {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} ، ولا يصلح مكانه ومصدقًا بما بين يديه لأن الغرض، أن هذا الكتاب مثبت من وحدانية الله تعالى وقدسه ووجوب طاعته وتحسين العدل، وتقبيح الظلم والشهادة للذين جاؤوا بالكتب المتقدمة، بأنهم جاؤوا بها من عند الله تعالى ما أثبتته تلك الكتب أنفسها.
ولو قيل: «مصدق لما بين يديه من الكتاب» ، لصلح، فعلم أن اللام قائمة مقام الهاء في صدقته.
ولو قيل: «ومصدقًا بما يديه» ، لم يدلك على أكثر من أنه أثبت أن كتبًا كانت قبله، فثبت بهذا افتراق الصلتين، وتغاير ما يراد بهما، والله أعلم.
وما ينبغي لأحد أن يستنكر هذا الفرق، فإن الوجود منه هو الموافق للصواب والحكمة إذ كان الاعتراف بالله جل جلاله، لابد من أن يسبق حتى يصح القبول عنه وطاعته وعبادته من بعد، والاعتراف بالنبي كذلك لأنه يسبق، ثم تكون متابعته والقبول عنه، ولو تجردت المتابعة بفعل ما يأمر به، والانتهاء عما ينهى عنه عن الاعتراف بالنبوة لما سلمت، ولا سلمت نفعت، فكان حقًا أن يعود الأصل من هاتين الخصلتين بإحدى هاتين اللفظتين والتابع منهما بالأخرى.
فيكون التصديق بالله إثباته والاعتراف بوجوده، والتصديق له قبول شرائعه، واتباع فرائضه على أنها صواب وحكمة وعدل، والطاعة له فيها لازمة، والمحافظة على حدوده، والثقة بوعده ووعيده.
وكذلك التصديق بالنبي، غير التصديق له.
فالتصديق به: هو الاعتراف بوجوده وكونه وإثباته نبيًا في الجملة.
والتصديق له: اتباعه وطاعته وقبول ما جاء عنه، وكذلك الإيمان بالله: هو الاعتراف به وإثباته: والإيمان له: طاعته واتباع أمره.
وعلى هذا الإيمان بالله أو بالنبي، إيمان بالدلائل التي دلت عليه، لأنه قبول لدلالتها عنها، وانقياد لموجبها.
والإيمان بالكتاب إيمان للدلائل التي دلت على أنه من عند الله.
فأما إذا قلت: «آمنت بالكتاب» ، لم تكن دللت على أكثر من أنك أثبته كتابًا لله تعالى، والإيمان بالنبي إيمان لله لأنه قبول لدلالته التي أيده بها، وطاعة له فيما أتى به من عنده، والإيمان بالله إيمان بالنبي لأنه إجابة لدعوته ومتابعة له على مقالته.
وقد يجوز أن يقول: آمنت للكتاب والتزمت العمل بأمره ووعيده.