قلت: ليس بأتي جواز ذلك كما لا يأتي جواز التضحية بكبش.
ولكن لما روي أنه ضحى بكبشين، قلنا أن ذلك أفضل كذلك لما قال الغلام شاتان قلنا أن ذلك أفضل.
ومنه جواب آخر نذكره في غير هذا الموعد إن شاء الله.
فإن سأل سائل عن هذا النسك، هل يستحب فيه البدن من الغنم كما يستحب في الأضاحي؟ قيل: لا، لما قد قيل لعائشة رضي الله عنها وولد لابن أختها غلام: عقي عن ابن أخيك بجزورين.
فقالت: معاذ الله، ولكن ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - «شاتان متكافأتان» .
وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «كل مولود مرتهن بعقيقته حتى يعق عنه والده من الإبل أو البقر أو الغنم» فإنه حديث مرسل لا تقوم الحجة بمثله.
ومع ذلك فليس فيه استحباب البدن بل الغنم.
وإنما فيه أنها تجري، ولسنا ننكر ذلك.
والمعنى في أن الإبل لا تستحب من هذا النسك على الغنم، هو أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - خالف بين الغلمان والجواري فيه، فقال «عن الغلام شاتان، وعن الجارية شاة» .
فلو استحببنا البدن على الغنم، ثم قلنا: يذبح عن الغلام بدنة، لم يمكن أن يذبح عن الجارية نصف بدنة.
وإن قلنا يذبح عنها بدنة.
أدى ذلك إلى التسوية بينهما، والتسوية ليست بمستحبة.
وإن قلنا نذبح عن الغلام بدنتين، وعن الجارية بدنة.
فقد يكون للواحد ابن وابنة فيرى أن يعق بثلاث بدنات ولا يقدر أن يعق عن البنت بنصف ما يعق عن الابن.
والسنة أن تكون الأنثى في العقيقة على النصف من الذكر فكان الأولى بهذا المعنى أن يلزم ما ورد به نص السنة.
وعلى هذا لا يستحب له أن يزيد على شاتين، لأن الزيادة لو استحبت له، فكان له ابن وابنة، وأراد أن يعق عن ابنه بثلاث شياه أو بخمس، لم يمكنه أن يعق عن البنت بنصفها.
والسنة أن الذبح إذا جاوز أقل النسك تورث بين الغلام والجارية، فوجب أن يكون المقدار والجنس اللذان ورد نص السنة بهما ملتزمين، فنهينا استعمال ما شرع من المفاوتة بين الصنفين، ولا يترقى عنها إلى عدد قد يمكن استعمال ذلك، وقد لا يمكن والله أعلم.
وأيضًا فإن الشاتين حق الغلام نصًا، فلا معنى لاستحباب أن يفوت بهما عن الجارية فيما فوق النص بين الصنفين.
ومعلوم أنه إذا استحب ذبح أربع من الغنم عن الغلام، وجب استحباب ذبح اثنتين عن الجارية.
فتصير عقيقة الغلام المنصوصة، عقيقة للجارية، وخلاف النص بالكراهية أولى منه بالاستحباب والله أعلم.