فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1217

ومعلوم أنه لا يحمل الناس ولا يسمعهم، فصح أن معنى وضعه للناس إن شاء، وآتوا العبادة حوله، ويتشاركوا في الصلاة إليه.

ودل عليه أيضًا أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أخبر: «إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض» .

ولو وضعه لهم ليستكفوه لما حرمه ولما حرم ما حوله، كما لم يفعل ذلك بالمساكن التي هي في مشارق الأرض ومغاربها.

فقد ظهر بما وصفنا السبب الذي تعلق الصلاة والطواف بالبيت لأجله.

ويؤكد ذلك أن الصلاة إذا كانت عبادة لله عز وجل، ولم يكن بدًا إذا وقف الرجل يصلي من أن يستقبل جهة من الجهات، كان أول جهة بأن يستقبلها جهة البيت المشرف بأمامه المعظم بإضافته إليه.

فصارت قبلة لإبراهيم - صلى الله عليه وسلّم -، ثم بعد ذلك لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - من هذا الوجه والله أعلم.

فأما الحج الذي يراد به الفضل على سبيل الزيادة، فإنما يتفرع عن تشريف الله تعالى هذا البيت بإضافته إلى نفسه وإطلاقه للناس أن يقولوا: لا يكون إلا من توقيف متوارث أو نص متناقل.

وقد قال الله عز وجل: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} .

وقال: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ} .

ولما أخبر أنه بيت حرام، وكانت تلك الحرمة حقه جل ثناؤه، وعلمنا أنه خلق البيت ليضاف إليه لا ليضاف إلى أحد من عباده، فاقتضى ذلك أن يؤمه الناس بحجه وزيارته.

فإن تعظيم الله تعالى إذا كان في الأرض بيته بحرم يشرف باسمه أن يزار ويعبد عقيدة، وتعظيمه تقربًا بذلك وتعظيمًا وتكريمًا لاسمه.

وإن كان يعلم أنه لا يحتاج إلى البيوت ولا يسكنها، فإن الملائكة الذين هم حول العرش يعلمون أن الله - عز وجل - لا يحتاج إلى سرير ويتعظم بالجلوس عليه.

وأنه لا يجوز أن يتوهم عليه بهذا، ولا أن يظن به.

فإنه قد كان ولا عرش ولا بيت، لم يزل لا في مكان، ولا يزال لا في مكان، ولا يمكن أن يحويه مكان أو يحصره أو يحيط به مكان.

ثم لم يمكنهم ذلك من تعظيم العرش بعد أن شرفه باسمه، والصف حوله، والتسبيح عنده، وكذلك غلب بأن الله تعالى لا يحتاج إلى البيت ولا يمنعهم من تعظيم بيت قد شرفه باسمه وحرمه وبحرمته ما حوله.

ومن التعظيم أن يزوره، وأن لا يقطع وفودهم عنه.

فهذا سبب الحج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت