وذكر وهب بن منبه في كتابه: أن آدم صلوات الله عليه لما أهبط إلى الأرض استوحش فيها، لما رأى من سعتها، ولم ير فيها أحدًا غيره، فقال: رب، أما أرضك هذه عامر يسجد فيها ويقدس لك غيري، قال الله عز وجل: «إني لأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، واجعل فيها بيوتًا ترفع لذكري ويستحي فيها خلقي، وسيأتونك منها بيتًا اختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي لتعظيمه بعظمتي، وأحرمه بحرمتي، وأجعله أحق البيوت وأولاها بذكري، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني أخبرت مكانه يوم خلقت السماوات والأرض، ومن قبل ذلك، فهو صفوتي من البيوت، ولست أسكنه، ولا ينبغي أن أسكن البيوت، ولا ينبغي أن يحملني، أجعل ذلك البيت، ولمن بعدك يا آدم حرمًا وأمنًا، أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته، فمن حرمه بحرمي، فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن آمن أهله فقد استوضئت بذلك آياتي.
ومن أخانهم فقد أحقرني في ذمتي، ومن عظم شأنه عظم في عيني، ومن صغر شأنه صغر في عيني.
ولكن تلك حوزة وبطن مكة حوزتي التي حزت لنفسي دون خلقي، فأنا الله، دونكه أهلها بقربي وجيران بيتي وعمارها وزوارها وفدى واهنأني في كنفي وضماني وذمتي وجواري أجعله أول بيت وضع الناس وأعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجًا شعثًا غبرًا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق بالتكبير عجيجًا، ويرجون بالتلبية رجيحًا، فمن اعتمره ولا يريد غيري، فقد زارني وضافني ووفد إلي ويؤت لي، فحق لي أن ألحقه بكرامتي، وحق للكريم أن يكرم وفده، وزواره وأضيافه، وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته يعمره، يا آدم ما كنت حيًا، ثم تعمره من بعدك الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن ونبيًا بعد نبي، حتى ينتهي ذلك إلى نبي من ولدك، يقال له محمد، وهو خاتم النبيين، فاجعله من عماره وحماته وولاته وحجابه وسقائه يكون أمنيتي عليه ما دام حيًا.
فإذ انقلب إلي وجدني قد دخرت من أجره وفضله ما يتمكن منه من القربة إلي والوسيلة عندي وأفضل المنازل في دار المقامة، واجعل اسم ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك، يكون مثل هذا النبي وهو أبوه إبراهيم، ارفع له قواعده، واقضي على يديه عمارته، وأنيط له سقايته، وأريه حله وحرامه ومواقفه، واعلمه مشاعره ومناسكه، واجعله قانتًا قائمًا بأمري داعيًا إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر، وأعافيه فيشكر، وآمره فيفعل، وينذر لي فيفي، فيعدني فأنجز.
أستجيب دعوته في ولده وذريته من بعده، واشفعه فيهم، واجعلهم أهل ذلك البيت، وولاته وحماته وسقاته وحرمه وخزانه وحجابه حتى يبتدعوا أو يغيروا ويبدلوا، فإذا فعلوا ذلك، فأنا أقدر القادرين على أن أستبدل بمن أساء، واجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة قائم به من حضر تلك المواطن من جميع الإنس والجن يطوفون فيه آثاره، ويبتغون فيه سنة، ويقتدون فيها بهداه.
فمن فعل ذلك منهم أوفي نذره واستكمل نسكه، وأصاب نعمته، ومن لم يفعل ذلك منهم ضيع نسكه ولم يوف نذره، وأخطأ بغيته.
فمن سأل عني: أين أنا؟ فأنا مع الشعث الغبر الموفين نذورهم، المستكملين مناسكهم، المبتهلين إلى ربهم، الذي يعلم ما يبدون وما يكتمون».