فهرس الكتاب
وفيه قول آخر: وهو أن غرض المولود له في الذبح عن ولده الرغبة إلى الله - عز وجل - في أن يفدى المولود ما ذبح عنه فيبقيه ويبارك فيه، ويدفع عنه البلاء والآفات والمكاره ولهذا يقال عقيقة عن فلان دمه بدمه ولحمه بلحمه، وعظامه بعظامه وهذا يقرب من غرض التضحية.
فإن معناها أن يتصور الضحى بصورة من يدعو ربه، فيقول: إني قد ارتكبت من الذنوب والمآثم ما لو كان قتل نفسي مطلقًا لأوجبت قتلها عقوبة لها على ما سلف من المعاصي والآثام.
فلأن ذلك محظور علي ما قد حرمت علي أن أقتل نفسي، وأحلت لي بهيمة الأنعام، فهذه منها قربي ونسكي، فاقبلها مني، واجعل لحمها بلحمي ودمها بدمي وعظامها بعظامي، وشعرها وبشرها بشعري وبشري، فاغفر لي.
فهذان نسكان متقاربان، وهما يفترقان في أن أحدهما من الذابح عن نفسه والآخر عن ولده.
وفي أن أحدهما يراد أن تكون فدية للنفس في العاجلة بلا حرام.
والآخر يراد به في أن تكون فدية لها من تبعات المعاصي والآثام.
ثم هما فيما وراء ذلك سيان والله أعلم.
وأما توجب الحلق باليوم السابع وضمه إلى الذبح والتصدق برزن شعره فضة وتجنيب الدم وتلطيخه بالحلوق، مع ما استخشاه من الذكر الذي يقال عند الذبح.
فإن كل ذلك مما جمعه حديث واحد، وتفرقت بجميع ذلك عدة أخبار.
روته عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «يعق عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة» .
قالت عائشة رضي الله عنها: فعق رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - عن الحسن والحسين رضي الله عنهما بشاتين اليوم السابع.
وأمر أن يماط في رأسهما الأذى.
وقال: «اذبحوا على اسم الله، وقولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك هذه عقيقة فلان» .
وكان في الجاهلية، تؤخذ قطفة فتجعل في دم العقيقة، ثم توضع على رأسه، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أن يجعل مكان الدم خلوفًا.
وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «كل غلام رهين بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه، ويحلق رأسه ويدمي» .
قال قتادة رضي الله عنه: يؤخذ بصوفه فتضرب بدم العقيقة ثم توضع على رأسه.
وهذا يحتمل أنه كان في أول الإسلام، ثم نهي عنه لما رويته من الحديث قبله.
ولما روى عبد الله بن ترمذة عن أبيه قال: كنا في الجاهلية إذا ولد لنا مولود، وذبحنا عنه شاتين، ولطخنا رأسه بدمه.
ثم كنا في الإسلام إذا ولد لنا مولود ذبحنا له شاة ولطخنا رأسه بالزعفران.
وعنه - صلى الله عليه وسلّم: «يعق عن الغلام فلا يمس رأسه بالدم» .
وقد قيل في معنى ذلك أن إمساس رأس المذبوح عند دم الذبيحة نسبة ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من صب دماء ذبائحهم على أصنامهم، فلذلك نهى عنه.
وعن فاطمة أنها عقت عن الحسن والحسين رضي الله عنهما يوم سابعهما، وحلقت رؤوسهما، وتصدقت بوزنه فضة.
وهذا يدفع رواية من روى أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: أعق قال: لا.
لأنه لو نهاها لم تخالفه.
وقد يحتمل الجمع بين الخبرين وجهًا سوى ما تقدم ذكره، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - عق عن الحسن والحسين شاة، لأنه نص على ذلك في الأكثر من الروايات، وعقت فاطمة رضي الله عنها شاة شاة، فكملت العقيقة عن كل واحد منهما بشاتين ولئن كانت سألت: أعق فقال: لا.
فالمعنى أنها قالت: أعق عقيقة كاملة وهي شاتان.
فقال: لا أي واحدة يكفيك لأنني عققت بشاة.