ويقال لهم: إن المادة التي تدعون قدمها، إذا حقق الخلاف فيها رجع إلى اللفظ دون المعنى، لأنكم تزعمون أنها قديمة بالقوة دون الفعل، والذي يعقل من الموجود بالقوة والموجود بالفعل، أن الموجود بقوة ما يمكن أن يخرج إلى حقيقة الوجود ولما خرج، والموجود بالفعل هو الذي خرج إلى حقيقة الوجود وارتفع عنه اسم المعدوم، وإذا كان كذلك، فليس يجب قولكم: إن المادة قديمة، إلا أنه يمكن وجوها.
وقد قلتم: إنها ما لم تخرج إلى حقيقة الوجود، وهي التي تسمونه الوجود بالفعل لم تقبل الخلق والتركيب فثبت أن الباري جل ثناؤه أخرجها ـ عند تركيب ما ركب فيها ـ إلى حقيقة الوجود، وليس قبل ذلك الإخراج إلا العدم.
فصح أنها كانت معدومة فأوجدها الباري وبالله التوفيق.
ويؤكد هذا اتفاقهم على أنها ـ قبل تركيب ما ركب منها ـ لا جسم ولا جوهر ولا عرض، وهو بعد التركيب جواهر وأجسام فثبت أن الباري هو الفاعل للجواهر جواهر كما أنه هو الفاعل للأجسام أجسامًا، وأنها من قبل أن تكون جواهر لم تكن إلا عدمًا، إذ لو كانت موجودة لا جوهرًا ولا عرضًا، لكان موجودًا كذلك لنفسه، ولم يجز أن تتغير عن ذلك إلى حال يحدث له في نفسه، إذ القديم لا يتغير وبالله التوفيق.
فقال القائل: أليس الباري جل ثناؤه كان غير فاعل ففعل، ولم يستحل ذلك من حيث إنه قديم، فما أنكرتم أن المادة لم تكن جوهرًا ولا عرضًا تصير جوهرًا وعرضًا ولا يستحيل ذلك من حيث إنه قديم.
فالجواب: أن الباري - عز وجل - كان غير فاعل ففعل، وأفعل في غيره لا في نفسه، فلم يوجب ذلك، وإنما أوجب بغير المفعول.
والمادة التي تدعيها قديمة إذا لم تكن جوهرًا فجعلها الله تعالى جوهرًا.
فقد عبر بفعله الذي فعله فيها، نفسها.
والقديم لا يقبل فعلًا لفاعل ولا يتغير، فإنه لو جاز عليه أن يتغير لجاز أن يقدم هذا ما شاء وبالله التوفيق.