فهرس الكتاب

الصفحة 780 من 1217

وقال في ذم المنافقين: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أي أنهم يكذبون ومع ذلك يحلفون على كذبهم، فيكونون جامعين بين شيئين، ثم توعدهم فقال: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} .

فيؤيد هذا ما حكاه - عز وجل - عنهم في سورة براءة، فقال: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ} إلى قوله {بِمَآ أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} .

فجعل الكذب من أوصافهم إذ كانوا منافقين، وأخبر أنهم أعقبهم النفاق في قلوبهم بما كانوا يترخصون فيه من الكذب، فذلك على غليظ من الكذب ومجانبته الإيمان.

وقال - عز وجل - في الكذب: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} .

يحتمل أن يكون المراد بالكذب على الله أن يقول لكلامه ووحيه أنه ليس من عنده، أو يدعي شريك أو يجحده أصلًا، وبالتكذيب بالصدق تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلّم - فيما جاء به مما هو صادق في أن الله تعالى أرسله به، وأنزله عليه، ثم قال عز وجل: {وَالَّذِي جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} .

فمدح الصادق عليه، والمصدق بما جاء من غيره، وذم الكاذب عليه والمكذب بما جاء من عنده، فكان كل محق في خبره، وكل مبطل في خبره في إستحقاق المدح أو الذم كما مدحه الله تعالى أو ذمه، قال: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

وقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} .

أي ما الذي يظنون أن يكون لهم يوم القيامة، أي يظنون أنهم لا يسألون عنه ولا يؤاخذون به، أي ليس الأمر كما يظنون، إن كان هذا ظنهم.

وقال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} .

أي لأهلكناه واستأصلناه.

وهذا من الله تعظيم كذب العبد، وإفترائه عليه.

ثم أن الكذب جرى مجرى الظلم والجهل والسفه، ألا ترى أن من كذب الله في أخباره، كما أن من ظلمه في أحكامه، وجهله بمواقع الضرب والنظر، أوسفهه في تدبير خلقه كفر، إذا كان كذلك كان الكاذب فيما يستحقه من الذم البليغ والعقاب الأليم كالظالم والجاهل والسفيه، ووجب إذا كان الكذب في مجانبة الإيمان كهذه القرائن أن يكون الصدق من الإيمان، كما أن الظلم لما كان مجانبًا للإيمان، كان العدل من الإيمان والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت