فهرس الكتاب

الصفحة 811 من 1217

ألا ترى أنه جل وعز لما وصف المؤمن بهذه الصفة كيف قطع بأنه يفلح، وأنه في عيشة راضية، فبان بذلك أنه أراد بالمؤمن المطلق الذي لم يواف القيمة مع إيمانه بكبيرة، وذلك لا يرفع أن يكون في المؤمنين من يكون حاله غير هذا، إلا أنه لم يذكر، لأن الموازنة كانت بين الكافر وبين المؤمن.

فأقضى ذلك أن يكون من المؤمنين من يخالف الكافر بالإطلاق، وإنما توازن أعمال المؤمن الذي ذكرنا لإظهار فضله، كما توزن أعمال الكافر لخزيه وذله، فإن أعماله توزن بمكياله على فراغه، وخلوه من كل خير، وكذلك توزن أعمال المؤمن التقي تحسنًا لحاله وإشادة بخلوه من كل شر، وتبريئًا لأمره على رؤوس الأشهاد.

وأما المؤمن الذي يوافي القيامة بكبيرة أو كبائر، فإن لميزانه حالًا أخرى ـ سوى حال المؤمن التقي، وحال الكافر المخزي ـ وهو أن تكون كفتا ميزانه ثقيلين، لأن في كل واحد منها ما يحتمل الوزن، غير أن كفة الحسنات تكون أثقل لأن مع الحسنات أصلها وهو الإيمان، وليس مع السيئات أصلها وهو الكفر، ولأن الحسنات أريد بها وجه الله تعالى، والسيئات لم يرد بها مخالفة الله تعالى، فإذا ظهر بالوزن قدر السيئات صارت بذلك المقدار معارضة للحسنات إن كان ثقلها كنصف ثقل الحسنات أو كثلثه، أو كربعه جرى أمره على ما ذكرنا قبل هذا، وهو أن الله تعالى إما أن يعفو عن سيئاته، وإما أن يعذبه عليها بالنار، وإما أن ينقص عن ثواب حسناته بقدر جزاء السيئات، فيفوته بعض ثواب طاعاته ويبقى له بعضه، والله أعلم.

فأما قول السائل: لو كانت سيئات المؤمن لا توازي تبعاتها ثواب حسنة من حسناته، فلم توزن أعماله؟

فجوابه: أن ثواب الحسنة وإن كان دائمًا لا ينقطع، فإن الأعمال هي الموزونة لا جزاؤها، إلا أن الأمر آلت إلى الجزاء فغير ممكن أن تحبط سيئته أو سيئات حسنة، لأن جزاء السيئة مثلها إلى وقت معلوم.

وجزاء الحسنة أمثالها دائمًا لا إلى وقت مخصوص.

فلئن أبطل ثواب الحسنة كله لأجل السيئة، فإنما يبطل إلى مثل الوقت الذي كان يمتد إليه عذابه بالسيئة لو عذب، أو إلى وقت ما في الجملة، ولا بد من أن يكون الثواب فيما بعد ذلك واصلًا إليه.

فلا يصح مع هذا إحباط الحسنة بالسيئة ولا بالسيئات ولا الاشتغال بتفريع أن السيئات إذا أحبطت الحسنات كلها فلم يبق إلا الإيمان.

فهل يمكن أن يخلص الإحباط أو لا يمكن؟ ولا الحاجة تدعو إلى الاحتراز من اسم الإحباط بالعدول إلى اسم ارتهان الحسنات بتبعة السيئات والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت