فهرس الكتاب

الصفحة 672 من 1217

والقول في الخوف نظير القول في الرجاء: فلو سأل سائل فقال:

إذا كان الخوف من الله جل ثناؤه إيمانًا، أتقولون إن الأمن منه كفر؟

قيل له: الذي نشأ عن المعرفة بالله جل ثناؤه إيمان، والأمن الذي ينشأ عن الجهل به كفر، وأما ما يشبه الأمن من الانهماك إلى المعاصي، وترك أخطار العقبى بالقلب من غير جهل بالله تعالى، فإنه غفلة وضلال وليس بكفر.

وهذا يقع من العبد على وجهين:

أحدهما: أن يرى نفسه قد ركب من المعاصي رأسه، ولا يرى من الله جل جلاله تغييرًا عاجلًا فيغفل عن المؤاخذة وينساها أصلًا، ولا يرى من الله جل جلاله كالماشين، إذا استمرت بهم أيام الحر وتطاولت عليهم بسوء البرد، وغفلوا عنه فلم يذكروه ولم يخطر بقلوبهم أنه آتيهم، فيستعدوا إلى أن يهجم عليهم بغتة.

والآخر: أن يركن إلى حسنات يعلمها لنفسها خلال السيئات، فيقول في نفسه لئن كنت أسيء فلقد أحسن قبل بتلك، فإن هذا الحكم وهذا التعديل يكون أعظم ذنوبه إذ الحكم لله جل ثناؤه ولا للعبد، والله - عز وجل - لم يأمره إلا بالإحسان، ولم يأذن له، فليس إذا أحسن في شيء أن يسيء في غيره، ثم يزيد على ذلك أن يحكم لنفسه ويعدل إساءته بإحسانه من غير علم منه، بقدر حسنة ولا بقدر سيئة، فإنما علم ذلك عند الله - عز وجل - دون غيره وبالله التوفيق.

وقال بعض أهل العلم: الرجاء واسطة بين المعرفة والطلب فإن من لا معرفة له بالمرتجى لا خيرًا له فيه على الطلب لمعرفة تبعث على الرجاء، والرجاء على الطلب، والخوف واسطة بين المعرفة والهرب، والمرتجى هو الخير أو ما يظن به أنه خير، والمخوف هو الشيء، أو ما يظن به أنه شر.

وكل ما ذكرته في باب الخوف من أنه لا ينبغي أن يكون الرجاء إلا لله جل جلاله إذا كان المنفرد بالملك والدين، ولا يملك أحد من دونه نفعًا ولا ضرًا، فمن رجا ممن لا يملك ما لا يملك فهو من الجاهلين، وإذا علق رجاءه به جل ثناؤه فينبغي أن يسأله ما يحتاج إليه صغيرًا وكبيرًا، لأن الكل بيده لا قاضي للحاجات غيره، وسؤاله إنما يكون بالدعاء على ما سنبينه.

قال الله عز وجل: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} ولم يزل الدعاء دأب الأنبياء الذين خلفهم أئمة وأمر أن يقتدي بهم فهداهم ذكر الله عز وجل: إن أبانا آدم صلوات الله عليه لما ابتلي بالخطيئة، فرغ إلى الدعاء، وأمنا عليهم السلام معه كذلك فقالا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت