فهرس الكتاب

الصفحة 1077 من 1217

فإن النفس التي هي تتعذب بما يخلص إليها من الكرب والخوف، ويقع لها من العلم بأنها إذا أعيدت فيه يوم الجزاء تعذبت معه بما يصل إليه من الشدائد كما تنعمت معه في الدنيا بما وصل إليه من الملاذ، وإن ظهر لهما من البر إنصرفا عنه.

إلا أنه إن كانت للميت ذنوب يريد الله تعذيبه عليها في الآخرة، فإن النفس تعذب وهي محبوسة في القبر، بلي البدن أو لم يبلى، ويعرض على النار أو تجر بما هي لا فيها، فتكون مكروبة مغمومة بذلك ما شاء الله - تعالى جده -.

وقد يمكن أن تخرج النفس من القبر إذا انقضى السؤال وتورد مورد أمثالها، فتكون في تنعم به من البشارات والإطاعات وتغم به من التخويفات والتوبيخات هناك إلا أن ذلك كله يسمى عذاب القبر، بمعنى أنه العذاب الذي يكون ما دام الميت في القبر لم ينشر منه ولم يجمع بينه وبين ما غاب عنه والله أعلم.

ومن قال هذا، قال: إن العذاب لا يسبق الحساب، ولو كان الله - عز وجل - معذبًا قبل الحساب لم يمت العبد، ولينقله عند انتهاء مدته إلى مكان الجزاء الذي أعده له، ويفعل ذلك بالواحد بعد الواحد من غير إمهال ولا تأخير.

فلما أخبر - عز وجل - أنه: {جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ} ومحييهم وباعثهم ومحاسبهم وجازيهم بما تنطق به كتبهم وصحف أعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر وذلك بعد أن توزن.

وتميز بين من ثقلت موازينه وبين من خفت موازينه، علمًا أن الذي سبق هذه الأمور بعد الموت هو السؤال ثم التبشير والإنذار والتخويف والإيمان والأطماع في الجنة، أو العرض على النار.

وهذه كلها مما يكفي النفس لها، وليست تحتاج إلى البدن فيها، وإنما تحتاج إليه إذا جاء الوقت الذي يوفى فيه الموعود من تغريق في الهوان، أو تقليب في نعيم الجنان، ويدل على ذلك أن الأخبار وإن جاءت بعذاب القبر فليس في شيء منها أن من لا عذاب عليه يطعم أو يسقى أو يلبس في قبره، فعلمنا أن ما يتأجل في ذلك للمحسن، فأن خلافه أيضًا يتأجل للمسيء، وإن التعجيل للفريقين ما ذكر والله أعلم.

ومن قال هذا، قال معنى {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} ، أمتنا بإرسالنا من أصلاب آبائنا نطفة ميتة، ثم أحيينا في أرحام أمهاتنا، ثم أمتنا في الدنيا ثم أحييتنا يوم القيامة ويحتمل أن يقال إن الميت كلما يحيى للسؤال لأنه إنما يقع في البدن الذي يعم النفس والبدن.

فإذا انقضى السؤال فالجواب أميت ولعل معنى ذلك ـ والله أعلم ـ إن الميت قد حول من ظهر الأرض إلى بطنها الذي هو الطريق إلى الهاوية، فيوقف في قبره ويحيى ثم يسأل، فإن وجده الملكان من الأبرار عرجت الملائكة بنفسه وروحه إلى عليين وكان ذلك نظير أن يوقف في المحشر على شفير جهنم، ويستعرض عمله، فإذا وجد في الأبرار أجيز على الصراط، وإن وجده الملكان من الفجار هوت الملائكة بنفسه وروحه إلى سجين، وكان ذلك نظير أن يوقف في المحشر على شفير جهنم، فإذا نظر في عمله فوجد من الفجار التي في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت