فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 1217

فأما الملائكة فلم يتحدوا عن ذلك، لأن الرسالة إذا لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم فنبئوا أكانوا قادرين على مثله أو عاجزين، وهم عندنا عاجزون.

وليس الإتيان بمثل القرآن من قلب المدائن، والإتيان بالتابوت في شيء، لأن قلب المدينة وحمل التابوت العظيم كالذي يوصف من تابوت بني إسرائيل، لقصور قواهم عنه، فإذا زادت قوة الملك على قوة الآدمي أضعافًا مضاعفة زاد عمله أيضًا كذلك.

وأما نظم القرآن فإنه ليس من جنس نظم كلام الناس ولكنه مباين لهذا، فلا يهتدي إليها فيحتذى ويمثل، فهو كتركيب الجواهر غير الأجسام، لتصير أجسامًا، ولا على قلب الأعيان ولا يقدرون عليه من ذلك.

والملائكة أيضًا لا يقدرون عليه كذلك.

وما لا يقدر عليه الإنس والجن من الإتيان بمثل القرآن، والملائكة أيضًا لا يقدرون، وفي ذلك ما أبان نظم القرآن ليس من عند جبريل، لكنه من عند الله اللطيف الخبير، وبالله التوفيق.

وقد دخل فيما ذكرته من هذا الوجه الثاني من الأوجه الثلاثة التي تقدم ذكرها في صدر الكتاب.

فأما الوجه الثالث فبيانه أن الله تعالى حفظ القرآن، فقال عند ذكره: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

وقال: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} .

فمن أجاز أن يتمكن أحد من زيادة شيء في القرآن أو نقصانة منه، أو تحريفه أو تبديله، فقد كذب على الله تعالى في خبره، وأجاز وقوع الخلف فيه، وذلك كفر.

وأيضًا فإن ذلك لو كانت ممكنًا لم يكن أحد من المسلمين على ثقة من دينه ويقين مما هو متمسك به، لأنه لا يأمن أن يكون فيما كتب من القرآن أوضاع نسخ الصلوات أو بعض شيء منها، أو تغيير أوقاتها أو الزيادة عليها، أو نسخ الزكاة، أو تغيير الأموال بها، والزيادة في مقاديرها، أو النقص منها، أو نسخ الصيام أو الزيادة على شهر رمضان أو تبديله بغيره.

أو نسخ الحج أو إيجاب تكريره.

أو منع الجهاد، أو تحليل الخمر والميسر وإطلاق المحرم من الفروج، أو تحريم المحلل منها.

فكان أحد من الناس لا يقيم عبادة إلا متشككًا، ولا يقدم على شيء ولا ينزع عن شيء إلا متشككًا.

ثم كان لا يؤمن أن يكون وصف نبينا بأنه خاتم النبيين زيادة من نقصان الناس دون أن يكون تنزيلًا، فلعله عن قريب يبعث بعده نبي، أو يكون قوله: {قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} .

تحريفًا وتبديلًا، ويكون المنزل يا بني إسماعيل، وإخباره هذا يدعو إلى تشريع كل خارج من الإسلام أن لا يدخل فيه، وإن الثقة به لا توجد لأهله، وهذا غير الكفر.

فصح أن من تمام الإيمان الاعتراف: بأن جميعه هذا، المتوارث خلفًا عن سلف لا زيادة فيه ولا نقصان وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت