وفي حديث آخر: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلّم - فجاءه بعير يرغو حتى سجد له فقال: أتدرون ما يقول! زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة، حتى إذا كبر نقصوا من علفه وزادوا في عمله، حتى إذا كان لهم عرس أخذوا الشفار لينحروه فأرسل إلى مواليه، فقالوا: صدق والله يا رسول الله! فقال: إني أحب أن تدعوه، فتركوه» .
فهذا يدخل في باب التعليم من وجه، أن الجمل لما تظلم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بحنينه والثاني برغائه، أفهمه الله تعالى مراده، فنظر لذلك في أمره وقضى حاجته، فدخل في باب التأييد من وجه أن فيه شهادة من كل واحد منهما بنبوته.
ومنها أن سمع النبي - صلى الله عليه وسلّم - ولا يرى مكلمًا فيقع له العلم بما قيل له، وذكر وهب في كتابه: إنه كان للأنبياء منازل، فمنهم من كان يسمع الصوت فيفهمه ويحتمل أن ذلك كان يكون صوتًا يحدثه الله تعالى عند النبي - صلى الله عليه وسلّم - فيجيبه ويلهمه الله المراد منه فيعرفه، ويحتمل أن يكون الصوت كلامًا معهودًا، فإذا حصل إلى سمعه عرف.
ومنها الجمع بين النبي - صلى الله عليه وسلّم - وبين الجن، وقد كان نبينا صلوات الله عليه مبعوثًا إلى الجن والاْنس، فيمكن من مشاهدتهم ومناطقتهم، وبلغهم الرسالة شفاهًا وعيانًا.
فقد حل هذا في باب العلم، من حيث إنهم عالم كثير محجوبون عن الأبصار، وفي خلقهم ما يزيد الناظر والواقف عليه بصيرة ويقينًا بالله - عز وجل - ثناؤه، وانبساط قدرته.
فإذا ميزت له رؤيتهم ومعرفتهم ازداد علمًا بالله جل ثناؤه، لما يشاهده من اياته فيهم، ويراه من آثار قدرته الظاهرة عليهم.
ويدخل في باب التأييد من وجه أنه يمكن لقائهم ومكالمتهم وقراءة القرآن عليهم لا تكون إلا مع حجة دعوته وثبوت نبوته.
ومنها أن يحتاج إلى جواب مخالفته إلى العلم بشيء غائب عنه، فيمثل له حتى يراه، فيجربه ويدفع بذلك الخصم عن نفسه، كما أنه لما حدث الناس بأنه أسرى به إلى بيت المقدس، وصل فيه ورجع من ليلته أحضروا له من كان رأى بيت المقدس وعرفه فاستعد له، فكان يصفه له وتبعته إلى أن كاد يخفى به بعض النعت، فمثل له المسجد حتى نظر إليه فوصفه.
ومنها أن يقصد أمرًا متفق عله عند ذلك حال من جنس ما هو كائن، فيعلم به عاقبة ذلك الأمر وحاله، كما أنه لما خرج من المدينة يوم أحد، تعلقت قبضة سيف رجل بشيء من رجل غيره، فانسل من غمده، فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «هذا يوم ينتفى فيه السيف» .
فكان كما قال: وموضع الخصوص في هذا أن ما رأى جعل طريقًا له إلى العلم، حتى قطع لأجله الحكم.
وأما غيره فإن ذلك أن وقع له لم نعده أكثر من ظن لا يغني من الحق شيئًا.