وأخذ بهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى افتتح الأمصار، وفاض على الناس المال، حتى هم أن يجعل نفسه ادناهم.
وكان ربما كتب إلى بعض عمال الأمصار إني وجهت إليك فلانًا وهو فقير عربي، فأوص به التجار الذين يشترون الغلات، يدخلونه معهم في الأرباح بطيب من نفسهم عسى أن يجيره الله بهم فيؤجروا، واستوصوا بهم خيرًا، وادخل عليه ما استطعت من سعة، فربما رجع الرجل وقد أصاب خمسة عشر ألفًا ونحو ذلك.
فكان رجال من أهل بيته يقولون: اكتب لنا ما كتبت لفلان فيقول: إذًا يقول من بعدكم، قد كان عمر يكتب لأهل بيته، فيتخذوا بذلك حدرة فيتخذوا بها عدوة، فيرتقوا بها إلي غير ذلك.
ولا أحب أن نكون أنا وأنتم حجة لمن سلك شتات الطريق.
فلما ادوه كلمه المسلمون وقالوا: اخلطهم بإخوانهم.
قال: فعملوا في عماله أنفعهم بها، قالوا: نعم نعملك أربعين ألفًا في السنة.
فقال عمر: يا رسول الله، يا أبا بكر أن عمر ابن الخطاب يعمل أربعين ألفًا، فكيف من بعده؟ قال: لا ولكن هما ألفان في رأس السنة.
فكان يأخذهما ثم يقول: مال عندي، هذا ما يملك عمر! فإن احببتم استنكم به، وإن احببتم فاستأثروا به ما طلبتم مني مما وراء ذلك فرؤوسكم الحجارة.
قال: فبكر عمر بن عبد العزيز حين أخبر بهذا الخبر حتى الصق بطنه بالأرض ثم قال: اللهم لولا إني أعلم أنك تعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، لظننت أنك تغضب علي غضبًا لا يرتد عني أبدًا، لسؤالي عن عمل أبي بكر وعمر، فإني لأرجو أن أشبههما، ولكني أسأل عن أهل الخير أحاشي بهم.
فقال عمر: إني جاعل نفسي من هذا المال ككافل اليتيم من كان غنيًا فليستعفف، ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف، ولا أكل حلوًا ولا مرًا، ما كان من شيء، فلم يأكل منه شيئًا حتى سلك لسبيله.
وبعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمار بن ياسر على الصلاة والحرب وابن مسعود على القضاء وبيت المال، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، وجعل بينهم شاة كل يوم، شعرها وبطنها لعمار، وربعها لإبن مسعود، وربعها لعثمان بن حنيف.
ووالله ما أرى أرضًا تؤخذ منها كل يوم شاة سيسارع ذلك في خرابها.
وقال نافع: استعمل عمر رضي الله عنه زيدًا على القضاء، ورزقه على ذلك، فعرض له ألفًا، وكتب عمر إلى أبي عبيدة ومعاذ بن جبل حين بعثهما إلى الشام: انظروا رجالًا صالحين من قبلكم فاستعملوهم على القضاء، وارزقوهم واسبغوا عليهم واعفوهم من مال الله.
وقال عامر بن شريح رضي الله عنه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يرزق في كل شهر ماية درهم.
وقال ابن أبي ليلى: بلغني أن عليًا رزق شريحًا خمسماية درهم.