يتبين بما قلنا أن العرب في جاهليتها لم تكن تدع حج البيت وتعظيم الشهر الحرام ويبقى نكاح البنات والأخوات والأمهات خلاف الفرس ولا يدع الختان والغسل من الجنابة، ويعمل في العتق والطلاق على ما جاء به الإسلام، ويرى الثنيوية بالثلث والتزوج على المرأة والرجعة في الواحدة والتبيين، ويحكم في دية النفس بمائة من الإبل ويورث الحشي من حيث يقول، ويعترف بالملكين، وينسخ الأعمال، فإن فيما يروى أن عبد المطلب بن هاشم كتب بخطه ذكر حق له على رجل من أهل حمير فقال: باسمك اللهم ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان بن فلان الحميري، من أهل صنعاء له ألف درهم فضة طيبة، ومتى دعاه بها أجابه أشهد الله والملكان.
وقال الأعشى:
فلا تحسبني كافرًا لك نعمة
علي شاهدي يا شاهد الله فاشهد فالشاهد الأول لسانه، والشاهد الآخر الملك، وأما الفرس ولا يخفي بعدهم من هذا كله، وذلك لصدق ما وصفت.
ووجه آخر: وهو أن شريعة إسماعيل لم يلحقها النسخ من الله تعالى.
إلى أن جاء محمد - صلى الله عليه وسلّم -، ولحقت شريعة إسحاق النسخ، إذ قد علمنا أن شرائع التوراة استوثقت لموسى لما أنزل التوراة عليه، فقد صار إسماعيل من هذا الوجه مقدمًا على إسحاق، لأن من نسخت شريعته على لسان غيره، فقد تناهت نبوته بعد مدة.
ودامت نبوة إسماعيل أضعافها إلى مبعث نبينا - صلى الله عليه وسلّم -.
وقد ظهر أن حظ إسماعيل من النبوة أجزل وأكثر من حظ إسحاق.
ووجه ثالث: وهو أن شرائع الأنبياء من ولد إسحاق نسخت على لسان محمد - صلى الله عليه وسلّم - وهي قائمة تعرف ويعمل بها ولم يعلم لإسماعيل شريعة قائمة نسخت.
ولكنها قد كانت درست إلا أشياء فيها، فإن كانت السابقة هي الدراسة، فإنها شريعة واحدة بعث الله تعالى بها إسماعيل ثم لم ينسخها.
وهذا يوجب له الفضل والتقديم، وإن كانت المستأنفة غيرها، ففي ذلك شيئان: أحدهما: أنه ليس نسخ الدارس كنسخ القائم.
والآخر: أن محمدًا ولد إسماعيل ودعوة إبراهيم صلوات الله عليه، فإن نسخ شيء من شريعة إسماعيل على لسان محمد - صلى الله عليه وسلّم - فكأنما نسخ على لسان إسماعيل عليه السلام.
وأما إذا نسخت شرائع ولد إسحاق على لسان نبي ولد إسماعيل، كان هذا نقلًا للأمر من فريق إلى فريق، وينبغي أن يكون المنقول إليهم خيرًا من المنقول عنهم وبالله التوفيق.
ووجه رابع: وهو أن الله - عز وجل - ثناؤه اختار إسماعيل لحرمه والاجتماع مع أبيه على إعادة البيت، وجعله أصلًا للعرب، كيعرب بن قحطان، ولم يكن يختار لأفضل البقاع ولجوارته والقيام بعمارته من ابن خليله، بعد أن أكرمه، فأتم البيت، وقضى إعادته على مده إلا أفضلهما وأكرمهما والله أعلم.
ووجه خامس: وهو أن ولد إسحاق، لما كانت فيهم أنبياء لم يكن أمثالهم في ولد إسماعيل فكذلك فيهم كانت قبلة أنبياء، والمعتدون الذين بلغ من اعتداءاتهم أن مسخوا قردة وخنازير، ولم يكن من ولد إسماعيل قبل نبي ولا ما أوجب الله تعالى به، فمسخ أحد منهم لو مسخه، فأخذ الأمرين في كل واحد من الفريقين بالآخر.
ووجه سادس: وهو أن إسماعيل دعوة إبراهيم، فإنه قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينِ} فرزقه الله تعالى إسماعيل.
وأما إسحاق فجزاء جزاه الله به لما كان من إسلامه إسماعيل لأمر الله فيما هو ثواب طاعة أقامها إبراهيم بإسماعيل.
وكيف يتوهم أن يكون مقدمًا على إسماعيل هذا والنعمة المبتدأة أسنى وأجزل وأنهى مما يجري مجرى الاعراض والله أعلم.