ومما جاء في فضل إسماعيل عليه السلام ما روي عن الضحاك بن معد، أغار على بني إسرائيل في أربعين رجلًا من بني معد، فقال بنو إسرائيل لموسى: إن بني معد أغاروا علينا وهم قليل، فكيف لو كانوا كثيرًا، وأنت نبينا، فادع الله عليهم.
فتوضأ موسى وصلى وقال: يا رب، إن بني معد أغاروا على بني إسرائيل، وسألوني أن أدعوك عليهم! فقال الله عز وجل: (ياموسى لا تدع عليهم فإنهم عبادي وإنهم ينتهون عند أول أمري وإن منهم نبيًا أحبه وأحب أمته) .
وفي حديث آخر أنه دعا عليهم ثلاث مرات فلم يجب منهم.
فقال: يا رب! دعوتك على قوم فلم تجبني منهم بشيء! فقال: يا موسى دعوتني على قوم هم خيرتي في آخر الزمان.
وأما ما احتجوا به من نهي النبي - صلى الله عليه وسلّم - عن الفخر بالجاهلية فله تأويلان:
أحدهما: أنه دلهم بذلك على أحكام الآخرة، فأخبرهم أنهم لا يعنون موضع الحاجة إلى الأعمال الصالحة شيئًا.
وهذا يدل على أنهم لا يعنون في موضع الحاجة إلى التقديم والترجيح لبعض أحكام الدنيا شيئًا.
فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت محمد، يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، فإني لا أغني عنكم من الله شيئًا» فهذا خبره عن نفسه في حكم الآخرة.
ثم قال مع هذا: «الأئمة من قريش» وقال: «قدموا قريشًا ولا تقدموها» .
فاعتبر النسب في الدنيا، فدل ذلك على ما وصفت من معنى قوله في الآباء الذين مضوا في الجاهلية من تعظيم قبيلة إلى قبيلة، حتى كانت تصل الجماعة من غيرها بالواحد من نفسها.
وزعم أن غيرها ليس بأكفاء لها.
فأبان النبي - صلى الله عليه وسلّم: أن دماءهم وأعراضهم متساوية.
والتأويل الأول أشبه لأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «ليس لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى» .
والتقوى لا توجب فضلًا في حكم القصاص.
فعلمنا أن المراد أحكام الآخرة والله أعلم.
وأما المحتج: إن الله تعالى ذكر العجم قبل العرب من قوله {ءَاعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} .
فجوابه: أن هذا شيء أخبر الله تعالى أن العرب كانت تقول: لو أنزل عليهم كتابًا لأعجمته.
ولو كان الله تعالى قال ذلك عن نفسه بطل قوله جلا وعلا: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ} وقوله عز وجل: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} وليس ذلك دليل على أن فضل الظلمة على النور، ولا فضل كافر على مؤمن.