فهرس الكتاب

الصفحة 745 من 1217

وفي أخذ الجزية عنهم معنى آخر وهو أن يكون سر غناهم المكان بين أولياء الله في أرضهم ودارهم إلا ببذل يعود منهم عليهم، لتكون منزلتهم بين الأولياء بأديانهم، منزلة الأجنبي من صاحب المنزل.

وفي هذا من الصغار ما لا يخفي.

ثم هو في البعث على الرجوع إلى الحق، وترك التمادي في الباطل نظير الوجه الذي تقدم ذكره.

وفي جملة ما كتبنا ما أبان أن قبولنا الجزية من أهل الكتاب لا يوهم أن قتالنا إياهم ليس على الدين ولكنه لأجل المال، وخصوصًا إذا كنا نشترط عليهم أن تكون أحكام الإسلام جارية عليهم، ولا يجاهدوا بكفرهم ولا أن يسمعوا المسلمين قولهم في عيسى بن مريم، ولا صوت الناقوس، ولا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يسقوا صبيًا من صبيان المسلمين ولا عبدًا من عبيدهم خمرًا يحتسونه بذلك.

ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة، ولا يظهروا فيها حمل خمر، ولا ادخار خنزير.

ولا يحدثون بنا، يطولون به بناء المسلمين، ويقصروا الزنانير على أوساطهم ويفرقوا بين هيئاتهم وهيئات المسلمين في الملبس والمركب.

ولا يركبوا الخيل ويقتصروا على الحمير والبغال، وإن ركبوا البراذين فبالأكف دون السروج.

ولا يشبهوا على مسلم فيسقوه خمرًا أو يطعموه خنزيرًا.

وإن من ذكر منهم كتاب الله أو نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلّم - ما لا نطلبه الإسلام، أو طعن في دين الإسلام، أو زنا بمسلمة أو أصابها باسم نكاح، أو غير مسلمًا عن دينه، أو تعرض لأن يفتنه، أو قطع على مسلم طريقًا، أو أعان على أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عتيًا، فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله - صلى الله عليه وسلّم -.

فكيف يتوهم عاقل لأجل إقرارنا إياهم في دار الإسلام بالجزية مع هذه العهود الغليظة والمواثيق المحكمة، إن قتالنا إياهم على المال لا على الدين، وأن القتال لو كان لأجل المال لما رضينا بدينار من كل رأس في سنة، ولما شققنا عليهم بهذه الشروط، بل كنا نزيد في المال وننقص من الشروط.

ولكنا لا نسقط المال ونضعه عنهم إذا أسلموا، فلما كنا نزيل المطالبة بالمال عنهم إذا أسلموا، وإذا لم يسلموا فوضعنا المال عليهم، قللنا المال وخففنا، وأكثرنا الشروط وغلظنا.

فقد خففنا عند من يعقله، ويتصف بما لا يزيد بإيمانهم على الجزية إلا ما يزيد بنفس القتال من التسبب إلى أفعالهم في دين الحق.

وصرف قلوبهم عن الباطل الذي هم فيه وبالله التوفيق.

وأما الكفار غير أهل الكتاب، فإن الجزية لا تقبل منهم، لأن قبولها من أهل الكتاب إنما كان لاستثنائهم رجاء أن يضمنوا شروط دين الحق إلى القليل من أصل الدين الذين هم متمسكون به.

وأن يجذفوا عن ذلك الأصل ما ضمنوه إليه مما هو غير لائق به.

فمن تجرد عن الديانة أصلًا وتمسك بما لم يكن دينًا لله تعالى قط، ولم يبعث به رسولًا، ولا أنزل به كتابًا، ولا رضي من أحد به دينًا، فلا معنى أن يترك نفسه عليه وهي مخلوقة للعبادة لا لغيرها وهو حابسها عن نفسه.

فإنا نعلم أن من كان له مملوك قد اشتراه، فامتنع من خدمته أصلًا من غير عدة، كان له أن يؤذيه ويضر به لا أن يمهله وينظره، فإذا كان جنس المملوك المشترى للخدمة، خدمته توجب عليه أن لا يخل والتنعم بنفسه لكن يضرب ويؤذى ويؤدب.

فحبس المملوك المخلوق للخدمة عن الخالق خدمته، أولى أن توجب عليه أن لا يخلى والتنعم بنفسه والله أعلم.

فإن استأمن على أن يدخل دار الإسلام لحاجة يبلغها في مدة قريبة جاز، لأن ذلك انتظار، وليس بتخيله، وقد يرجى أن يستبصر في هذه المدة، وينفعه الاختلاط بالمسلمين، والسماع بينهم، فكذلك أجبت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت