وجملة ما يتميز به الغناء المباح عن الغناء المحظور، أن كل غناء من الشعر المنظوم فمعتبر به لو كان كلامًا نثرًا غير منظوم، فإن كان مما يحل أن يتكلم به منثورًا أحل أن يتكلم به منظومًا.
وإن كان مما لا يحل أن يستعمل منثورًا لم يحل أن يستعمل منظومًا، وبالله التوفيق.
ثم قد جاءت في تغليظ أمر الغناء أخبار، وكلها عندنا محمولة على ثلاثة أوجه:
أحدها: الغناء المحرم الذي سبق ذكره.
والآخر: الغناء الحلال غنيه إذا طال ودام وشغل عن الصلاة.
والثالث: الغناء الحلال غنيه إذا اتصل به المزاهر والصنوج، وما يجري مجراها.
وما خلا عن هذه الأوجه الثلاثة فهو خارج مما جاء التغليظ فيه.
من تلك الأخبار ما جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قول الله - عز وجل - {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} قال: الغناء، والذي لا إله غيره يقولها ثلاث مرات.
ويحتمل إن كان المراد به الغناء أن يكون المشتري لهذا الحديث، وهو الذي يوضح للمغني لنفسه، ويحتمل أن يكون الذي يوضح لمن يعلمه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: هو الغناء وأشباهه.
وروي عن ابن عباس رضي عنهما قال: المغني وشري المغنية، فإن كان الشرى داخلًا في الآية، فشرى اللهو إذا مختار.
والمغني من الناس من يشتري لهو الحديث، فجعله مشترى للهو لما كان قصده فيمن يشتريه اللهو الذي عنده.
وجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما بسنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال في هذه الآية {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} قال: «اللعب بالباطل كسب النفعة فيمسح فيه ولا تطيب نفسه بدرهم يتصدق به» .
وقال مجاهد في هذه الآية: الغناء والشعر.
وجاء أن أبا وائل كان في ملال فجاء المغنون، فقام.
فقيل: يا أبا وائل، إن هذا يكون في الملال.
فقال: لا، أن ابن مسعود حدثنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إن هذا الغناء يثبت في القلب النفاق كما يثبت الماء البقل» .
وفي حديث آخر عن ابن مسعود، موقوفًا عليه ـ أنه قال: «إن الغناء يثبت النفاق في القلب كما يثبت الماء الزرع» .
وعن مجاهد رضي الله عنه في قوله عز وجل: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} .
ومن استخف منهم يكون الخيل لحق بالمعاصي، ورجلك من استخف منهم مكب على رجليه نحو المعاصي، وشاركهم في الأموال والأولاد أولاد الزنا.