فإن علم الدين هكذا أدي إلينا، فبلغنا درجة بعد درجة، فمن أراده فليتدرج إليه بدرجة.
فيكون قد أتى الأمر بابه، وقصده من وجهه، فإذا بلغه الله درجة المجتهدين فلينظر في أقاويل المختلفين، ويتخير منها ما يراه أرجح وأقوم، وليقس ما يحدث وينوب على أشبه الأصول وأولاها به.
فأما أن يقصد علم الدين ثم يقتصر عند المطلب على قول رجل من علماء السلف، من كان، وإن كان بعد في العلم شأوه، ويتبع ما جاء منه، ويرفض من يخالف ولا يقتديه فكل ما بلغه عنه قبله، وكل ما بلغه عن غيره تركه، وينتصب مع ذلك داعيًا للناس من احتباه، ومنفرًا إياه عن سواه، كأنه نبه المبعوث إليه وإلى غيره.
فيكون المسلم تبعًا عنده، من اتبع متبوعه، وبترك الحائدين عنه عند منزلة أهل الكتاب من المسلمين، إذ كان أهل الكتاب تمسكوا بما لا يتمسك به.
وهؤلاء عنده أيضًا عدلوا إلى ما لا يعد إليه.
فهذا هو النبأ العظيم الذي الناس عنه معرضون، ولنسألن يوم القيامة عما كانوا يعملون.
وأقرب ما يلزم ذكره أن الذي ارتضاه لا يأمنه واتخذه قدوة لنفسه بما كان يرضى أن يكون له، دون رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - إمام ينتمي إليه ويقصر نفسه عليه، فلا يقتدي إلا به، ولا يأخذ إلا من علمه، ويقارب من اتبعه، ويباعد من رغب عنه، لكنه طلب العلم حيث وجده، وأخذه ممن كان عنده.
فقد كان ينبغي لمن نحا نحوه.
وانتهج نهجه أن يأخذ طلبه العلم عنده، كما يأخذ علمه، فلا يتبغض في بدء الأمر قوله، ولا يفسد عليه أصله، فمن يخرج في علم أحد العلماء خاصة، ولم يكن عنده علم تأويل غيره، ولا بالأبواب التي سبق ذكرها، فلا تعد منزلته أن يكون من المقلدين فإن عمل بها أخذه من علمه في خاصة نفسه، فإن كان إمامه حي فسأله عن نازلة نزلت به، وأفتاه فيها برأيه، فيحل له أن يعمل بقوله، ولا يجوز له أن يفتي به غيره، ولا أن يحكم به.
ومن طلب من الوجه الذي ذكرناه، وحصل من علم الكتاب والسنة ما وصفنا، ومن أقاويل السلف إجماعًا واختلافًا ما شاء، وسلم عقله، وصح رأيه وفهمه بقدرته على استنباط معاني الأصول، واهتدى إلى تمييز ما يتعلق الحكم به من جملة أوصاف الأصل مميزة، وكان ممن إذا أخفى المعنى واعتاض لم يصلك عن فهمه، وإذا عارضه مثله، لم يخبر عن تمييز أولاهما، بأن يقال به.
كان له أن يعمل فيما ينزل به بعلمه، وأن يفتي به غيره، وكل ما قدمت ذكره في علم الكتاب والسنة، فهو في علم لسان العرب كذلك.
لأنه في الجملة لا بد منه إذ القرآن إنما أنزل بلسانهم وليست فيه كلمة ولا لفظة بلسان غيرهم، ولكن فيها ما كان غير عربي في أصله، فعربه الله تعالى كما كانت العرب بأسرها غير عرب، فعربهم الله تعالى.
كذلك السنن كلها عربية، فلا سبيل إلى معرفة الكتاب والسنن إلا بالوقوف على اللسان أولًا، وليس يكفي من علم اللسان علم الأسماء والأفعال والصلات حتى تكون معه، ارتباص فيه ومعرفة لعادات العرب على مخاطباتها.
فإن لها في الخطاب مذهبًا وفي البيان عادة، وإذا عرف من لسانها وعادتها ما تيسر به، بعلم الكتاب والسنة، فلا عليه أن يسد عنه من غرائب كلامها، وبدائع أمثالها ما لا يحتاج.
وهذا جملة من القول في هذا الباب، فأما تفسيرها فيرجع فيه إلى الكتب المفردة إن شاء الله تعالى.