فهرس الكتاب

الصفحة 162 من 1217

وقد يقال: إن سورة أفضل من سورة، لأن الله تعالى عند قراءتها كقراءة أضعافها مما سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بهما هذا المقدار لا نظير لهما، كما يقال: إن يومًا أفضل من يوم، وشهر أفضل من شهر، بمعنى أن العبادة فيه تفضل على العبادة في غيره، والذنب يكون أعظم في غيره، كما يقال: إن الحرم أفضل من الحل، لأنه يتأدى فيه من المناسك، ما لا يتأدى في غيره، والصلاة فيه تكون كصلاة متضاعفة مما يقام في غيره والله أعلم.

وأما الاستشفاء بالقرآن، فلأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أخبر أن خاتمة القرآن المعوذات، وأن الخلق لم يتعوذوا بمثلها.

وقد ثبت في الجملة أن الكلام ما يستشفى به.

فقد أخبرت عائشة رضي الله عنها أنها كانت تعوذ رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في مرضه فتقول: اللهم أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، اشف شفاء لا يغادر سقمًا.

وإن جبريل صلوات الله عليه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - وهو يشكو، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك والله يشفيك، بسم الله أرقيك.

وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «ما من مريض لم يحضر أجله تعوذ بهؤلاء الكلمات: «بسم الله العظيم أعيذ، بالله العظيم من شر ما يجد، سبع مرات إلا شفاه الله» ».

فإذا كان هذا هكذا، فإن القرآن الذي لا كلام أشرف منه ولم ينزله الله - عز وجل - إلا ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ويتقدم به من النار، بعد أن كانوا على شفا حفرة منها ويهديهم به إلى الجنة، التي منها الحياة الدائمة، والراحلة التامة من كل خوف وحزن، أولى أن يشتفى به ويتبرك بقراءته، وقد سماه الله شفاء، فقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} .

وقال: {ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} .

فما كلام أولى بأن يكون فيه الشفاء من هذا الكلام.

وقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في سرية، فمررنا على حي من أحياء العرب، فاستضفناهم فلم يضيفونا، فنزلنا بالعراء فلدغ سيدهم فأتونا، فقالوا: هل منكم أحد يرقي؟ فقلت: أنا أرقي.

قال: فارق صاحبنا فقلت: لا، فقد استضفناكم فلم تضيفونا.

قالوا: إنا نجعل لكما جعلًا، فجعلوا إثنتين من الشياه، قال: فأتيت.

وجعلت أمسحه وأقرأ فاتحة الكتاب، وأرده وأقفل حتى برأ.

فأخذنا الشياه وقلنا: ما نحن بالذي نأكلها حتى نسل رسول الله - صلى الله عليه وسلّم -، فأتيناه فذكرنا ذلك له.

فجعل يقول: «وما أدراك أنها رقية» ، فقلت: يا رسول الله، ما دريت لكنه شيء ألقاه الله في نفسي.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «كلوا واضربوا لي معكم بسهم» .

وجاء عن المتقدمين في أبواب الاحترازات من المخاوف والاستشفاء من الأمراض بآيات القرآن ما قد عرف وأثبت في الكتب وجرب فنجع، واختبر فنفع، فكان ذلك أحد الدلائل على أن القرآن من عند الله - تعالى جده -، ولو لم يكن كذلك لفترت قراءته ولم ينفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت