وأما إذا لم يستقل القضايا وعلم ما نفذ فيه قضاؤه فإنما كان ملكه، وكان أولى به منه أو تجاوز ذلك إلى أن يستجلي ما يجزى به القضايا لأجل إنما عرض، فمن قبل المولى لا من قبل أحد، لقوله: وواحد، فيكون ذلك عائدًا عليه بفضاضة وحقارة، فناهيك بالأمرين: أما أولها فإبعاد لما يفسد المحبة عن القلب، والآخر فيوصل إلى إكتساب محبة الله، وكل واحد منهما مما تبعث عليه الرغبة في رضى الله جل جلاله، والكراهة تسخطه، وإذا لم ينكر الفرائض علم أن الله تعالى قد أبقى عليه ولم يخرجه، ويساهله ولم يشدد عليه، فدعاه ذلك إلى نعيم طاعته، ويطلب رضاه وموافقته.
فإن الاتقاء ممن يملك الاستيفاء اتصال، كما أن الاستيفاء ممن يملك الاتقاء شديد والإيفاء والإنعام والإفضال عن دواعي المحبة والبواعث عليها.
وكذلك للإشفاق من انقطاع نظر الله جل جلاله هو إكدار كان المحبة، لأن الإشفاق لا يكون إلا على مظنون به متنافس فيه فمن كان نظره إلى ما أكرمه الله تعالى من معرفته وتوحيده هذا النظر دل ذلك من حاله على علمه بحقه.
والعارف بحق سيده والمنعم عليه لا يكون مبغضًا له وكذلك تعلق الأمل بالله عز وجل، مع العلم بأنه لا غنى عنه، وأنه جواد كريم هو من أسباب المحبة، لأن أحدًا لا يبغض من لا يصل إلى محبوبه إلا به ومن قلبه، فكذلك يحب من يوصله إليه، ولا سيما إذا لم يكن له إليه موصل غيره، وكان كريمًا يصدق الأمان ويكثر ويحب الدعاء ولا يحب الرجاء.
وكذلك هيجان القلب للذكر الحسن والتقرب بنوافل الخير، وموالاة من يجده على طريقته، ومناوأة من لا يجده وتبرأته منه، والغلظة عليه كل ذلك من أركان المحبة في العبادات المعروفة، وهو أمر لازم للطباع.
وقد قال الله عز وجل: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} .
وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ} .
وقال: {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ} .
فدل ذلك على أن ولاية الله - تعالى جده - لا تفارق موالاة أعدائه من أعلام ولايته ومحبته والله أعلم.