وأيضًا فإن الله - عز وجل - قال بما وصف كتابه لنبيه صلوات الله عليه: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} فأخبر جل ثناؤه أن آيات القرآن بينات، ولم يفصل بين جهة وجهة، فهي بينات من كل وجه.
فمنها أنها واضحات في الدلالة على ما أريد بها.
ومنها أنها بينات أي بينات عن كلام البشر، ومنها أنها بينات بمعنى أن كل آية فهي بائنة عن صاحبها لا تختلط بها ولا تتحد معها، فمن وصل عند القراءة آية آية، فقد سلبها وصفها الذي وصفها الله تعالى به.
ومن وقف عند آخرها فقد جلاها حليتها ووقر عليها صفتها التي أثبتها الله تعالى لها.
فبان أن الوقف أولى من الوصل والله أعلم.
فإن النبي - صلى الله عليه وسلّم - وأصحابه من بعده ما جزأوا القرآن إلا إلى الآيات والسور، وليس يحفظ عنه عليه السلام، ولا عن أحد من أصحابه بجزاء انتهاء الأغراض للوقف.
ولا روي عنه ذلك ولا عنه في خبر صحيح ولا معلوم.
وقد علمنا أنهم لم يكونوا بحسن من الوقف بدًا، فلما لم ينقل عنه في غيره تواصل الآيات شيء، علمنا أن الوقف إنما كان يقع منهم عند الوصل والله أعلم.
وأيضًا فإن قوله عز وجل: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} متصل بقوله تعالى {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} ، وأجمع المسلمون على أن الوقف عند قوله - عز وجل - «كعصف مأكول» أليس يفتتح.
وكيف يقال إنه نسخ؟ وهذه السورة تقرأ في الركعة الثانية، فيتخللها مع قطع القراءة الركوع والقيام بعده، وسجدتان بينهما جلوس، والقيام إلى الثانية وقراءته فاتحة الكتاب.
وليس في العلماء أحد يكره ذلك.
وما كانت العلة فيما ذكرت إلا أن قوله - عز وجل - {كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ} انتهاء آية، فالقياس على ذلك أن لا يمنع الوقف عند إعجاز الآيات، سواء كان الكلام يتم والغرض ينتهي، أو لا يتم ولا ينتهي والله أعلم.
وأيضًا فإن الفواصل حلية الكلام، وزينة للمنظوم، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور، ولا حقًا بأن الكلام المنظوم أحسن من المنثور، فثبت بذلك الفواصل من محاسن الكلام المنظوم، فمن قرأه فأظهر فواصله بالوقوف عليها، فقد أبدى محاسن من ترك الوقف عليها، ووصل بها ما بعدها فقد أخفى تلك المحاسن وكتمها، وشبه المنظوم بالمنثور، وذلك إخلال بحق المقرر.