ثم إن الجهاد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان على منزلتين: إحداهما: أن يجهز سرية، فيكون على من بعثه أن يخرج من أن يكون له فيه خيار، قال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} .
والأخرى: أن يخرج بنفسه، فكان يلزم عادة المطيعين أن يخرجوا بخروجه إلا من يتخلف لما يراه، فيكون له القعود بإذنه.
قال الله عز وجل: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} .
وهذا في القوم المجاورين له المقيمين معه في بلده.
فأما الناؤون عنه، فكان حكمهم إذا دعاهم أن يستجيبوا وإن استنفرهم أن ينفروا، وإن أمرهم بالانضمام إلى جيش قد بعثهم أن ينضموا، وإن قعدهم عدوان ينفر منهم من تقع به الكفاية في دفع العدو، ولقول الله عز وجل: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} .
وهذا هو الحكم بعده في عامة البلدان لا يلزم أهل بلدنا بأسرهم أن ينفروا إلا أن يحتاج إلى جميعهم، ولا يسمح لأحد يطيق القتال أن يتخلف وإن استغنى ببعضهم لم يلزم الجماعة أن يخرجوا والله أعلم.
وإن لم يقع نفر منهم، فينبغي للإمام أن لا يعطل فرض الجهاد، وأن يكون له كل سنة غزو كيلا يأمن الكفار جوانب المسلمين فيبدأوهم، وهو مطلق في الأوقات كلها لا يختلف المسلمون في شيء منها إلا في الأشهر الحرم، فإن أكثر العلماء، على أن تحريم القتال فيها منسوخ، وقول عطاء بن أبي رباح أنه نائب.
ويلزم كل من يقول: إن الدية تغلظ على القاتل في الشهر خطأ، أن تثبت حرمة الأشهر الحرم، فإن أبى لم تنهض حجته، بل يلزم لمن يقول: القتال فيها مباح أن يقول: ليس في الشهور شهر حرام أن لا يثبت الأشهر الحرم، ويزعم أن تحريم القتال فيها منسوخ لأنه لا يظهر لحرمتها أثر في تحريم القتال.
فإن كان ذلك زائلًا.
فالأشهر كلها متفقة وليس منها شهر حرام، ولا أعلم أحدًا من المسلمين أطلق ذلك.
وتحريم القتال في الأشهر الحرم إنما هو تحريم ابتداء به.
فأما قتال من يقاتل فلم يكن حرامًا، وليس اليوم بحرام.
وروى عطاء عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - لم يكن يغزو في الأشهر الحرم إلا أن يغزوا.
ومن أنكر ما قلنا محتجًا بأن النبي - صلى الله عليه وسلّم - غزا الطائف في ذي القعدة، فليست حجته بالبينة، لأنه لما غزا هوازن غزاها لست بقين من رمضان، فكانت جمعت جموعًا كثيرة منها ثقيف.
فلما فتح الله على نبيه - صلى الله عليه وسلّم - انهزم المشركون إلى الطائف.
فروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - غزا الطائف في شوال، فكان هذا معارض لما رواه غيرنا.
فإن ثبتت له روايته، فقد يجوز أن يكون غزاهم في شوال فلم ينفصل الأمر معهم حتى دخل ذو القعدة.
وكان لإمامهم إن رجع أن تكون منهم عطفه على المسلمين، فلم ينصرف.
أن يكون علم أن المشركين انهزموا إلى الطائف ليستظهروا بمن فيها فيكروا.
فقصد الطائف يريد الذين قاتلوه، ثم انحاز إلى غيرهم وكان ذلك في معنى قتال المقابله لا في معنى الابتداء والله أعلم.
ولو أردت أن أستوفي جميع ما في القرآن من الآيات الدالة على فرض قتال المشركين لخرج هذا الكتاب عن الحد الموضوع، وفي الآية الواحدة بما كتبت كفاية، فكيف في جميعها؟