وله وجه آخر: وهو أنه قد جاء يزور البيت، ولكل حرمة الحرمة التي بجميعه، فلا يكون محدثًا عهدًا بجميع آخر البيت ألا بأن يستدير حوله، فاحتاج إلى الطواف لذلك، ثم الزيادة على المرة الواحدة للولوع بما أصاب، والحرص على الاستنكار منه وإظهار السرور به، وكل ذلك ملائم للعادات ليس بخارج منها.
وله وجه آخر: وهو أن يتصور الطائف بصورة من إناء البيت من أحد وجوهه، فخاف صدا فيجاوزه إلى وجه آخر، فخاف صدا فيجاوزه إلى وجه ثالث، فخاف صدا فيجاوزه إلى الرابع، فخاف صدا فعاد إلى الأول، ثم لم يزل يستدير ويتحول من صفحة إلى صفحة حتى استكمل سبعًا موعد الاذن وبشر بالقبول، وقيل له: قد وقع فعلك موقعه فانصرف الآن إلى يوم الزيارة.
ويخرجون إلى عرفة كان مباح الزوار جعل فيها لأنها من الحل فلا ينبغي لمن لم يؤذن لقاء الزيارة، وهي من همه أن يقوم مقامه في الحرم، ومنه يزور لأن الزائر في العادة من يقصد غيره وهو بمعزل عنه.
فأما من كان عنده فلا زيارة تقع منه له.
وإذا كان حرم البيت كالبيت فالمقيم فيه كالمقيم في البيت أو عنده، فلا تتعذر منه زيارته، فجعل مجمع الزوار قبل مجيء وقت الزيارة عرفة، فإذا جمعوا بها وبقوا طويلًا، ودعوا وتضرعوا حتى إذا طال ذلك عليهم وجن الليل، أذن لهم في تورد الحرم والدنو ليلًا، فيأتون المزدلفة ويقيمون بها ليلهم داعين ضارعين، حتى إذا أسفر النهار، قدموا منها إلى منى، وأمروا أن يرموا بها جمرة العقبة بسبع حصاة كأنهم مخاطبون الشيطان ويقولون: لا مطمع لك فينا بعد اليوم، فقد بايعناك وقطعناك.
ويتصورون بصورة من يدخر عدوًا ويقذفه يريد تنحيته عن نفسه وإبعاده، ويرمونه بسبع حصاة.
كما يطوفون حول البيت سبعًا ليكون مكان كل طوفة بالبيت رمية وحرقة للشيطان.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون رمي الحصى تأويلًا لإسقاط الألواث والأرجاس عن أنفسهم.
كأنهم يقولون: قد طرحنا بذنوبنا وأحلامنا فتبرأنا منها، كما ألقينا هذه الحصى من الدنيا، وأبعدناها عن أنفسنا.
والرمي مثل الإبعاد.
وفيه وجه آخر: وهو أن المناسك كلها موروثة عن إبراهيم عليه السلام قال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «يا أيها الناس أقيموا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم» .
وروي أن إبليس أعرض له بمنى فزجره بحصيات رماه بها لئلا يفسد عليه نسكه، فأوجب حق الاقتداء به، أن يرمي مثل تلك الحصيات كل خارج، تبركًا لمبايعته، واتباع سبيله.
ألا ترى أن الاقتداء بأمته في السعي، كيف كان واجبًا على ما يذكر في معناه فأولى أن يجب الاقتداء في الرمي به نفسه.