ومنها أن لا تخلط من المصحف ما ليس من القرآن بالقرآن كعدد الآيات والسجدات والعشرات، والوقوف واختلاف القرآن ومعاني الآيات.
ومنها أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد وتحليقها، ومنها تعظيم أهل القرآن وتوقيرهم كتعظيم العلماء بالأحكام أو أكثر وبالله التوفيق.
فذلك خمسون فصلًا حضر لي ذكرها فأثبتها، ولم أنكر أن يكون في الباب عشرة.
فأما تعلم القرآن فأول وجوه تعظيمه، لأن ترك التعليم إغفال له وتصنيع، والتعليم ولوع به وحرص به، وعرفان بقدره.
وجاء في ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» .
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن هذا القرآن مأدبه.
فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، وإن هذا القرآن حبل الله المتين والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، نجاة من تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يرفع ويستعيب، لا تغني عجائبه، ولا يخلق عن كثير الرد، فإن لأحدكم على تلاوة كل حرف عشرة حسنات، أما إني لا أقول بألف لام ميم، ولكن بألف عشرًا وبلام عشرًا وبميم عشرًا».
وعنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «أيكم يحب أن يعدو إلي بطحان أم الحقيق فيأتي كل يوم بناقتين كرماوين، وهراوين بأحدهما في غير أثم بالله ولا قطيعة رحم قالوا: كلنا يا رسول الله، الله يحب ذلك.
فقال: لا يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلم آيتين من كتاب الله خير من ناقتين وثلاث خير من ثلاث ومن أعدادهن من الإبل».
وقالت عائشة رضي الله عنها، ذكر رجل عند رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - بخير، فقال: «أولم تروه يتعلم القرآن» ؟
وأيضًا فإن من القرآن ما تحب قراءته في الصلاة، ومنها ما شئت قراءته فيها.
وفيه أحكام يعبد بها خلقه.
وفيه وعد ووعيد، ومواعظ وقصص، ولا يخلو كل واحد منهما من عوض كان في المخاطبة.
فمن لم يتعلم القرآن لم يعلمه، ومن لم يعلمه، لم يعلم ما فيه، ولم يمكنه امتثال ما أمروا، ولا الانتهاء عما نهى، ولا التصرف عما صرف ولا الاستبشار بما بشر، ولا التهيب بما هيب، ولا الاتعاظ بما وعظ، ولا القيام بفرض التلاوة أو سنتها.
فصح أن التعلم أول ما يجب من حقوق القرآن وبالله التوفيق.
فقال: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} وأمر جل ثناؤه فقال: {وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ} وسمى الله تعالى القرآن ذكرًا.
وتوعد من أعرض عنه ومن تعلمه ثم نسيه، فقال عز وجل: {كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} .
وقال بعد ذلك بآيات: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} .