فهرس الكتاب

الصفحة 359 من 1217

والوجه الآخر: أن يكون احتجاجًا على عبدة الأوثان كأنه قال لهم: من إله غير الله يأتي بما حبسه الله تعالى عنكم من النور أو الظلمة، الذين لا يبصرون عجز الأوثان وجودها، فيعلموا أنها لا تقدر على شيء ألا تسمعون ما يقال لكم عودًا على بدء، ويضرب لكم الأمثال، فتعلموا أن عبادة الوثن جهل وضلال.

والوجه الثالث: أن يكون احتجاجًا على التنويه الذين يقولون بأن خالق النور من خالق الظلمة.

كأنه قيل لهم: إن كان هذا هكذا فأضيفوا إلى الله - عز وجل - إحدى هذين من النور أو الظلمة.

ثم إنه أراد إبقاء ما خلق من إله غيره، كأن يأتي بضده، وذلك إذا أتى بضده لم يخلو من أن يتعد له إظهارًا ما أتى به، وإبطال ما كان قبله أولًا بنفسه.

فإن تعد، فكيف يكون الأول مقهورًا وهو إله؟ وإن لم يتعد، فكيف يكون الثاني مقهورًا وهو إله؟ وإذا كان ذلك فيستحيل وقد أقررتم بأن خالق النور هو الله عز وجل.

فاعلموا أن خالق الظلمة ليس غيره.

وأنها جميعًا خلقه، فلا هو أن يحبس النور قدر على الإتيان به غيره، ولا إن حبس الظلمة قدر على الإتيان بها غيره.

أفلا تسمعون ما نكرر عليكم من الاحتجاج ونضرب لكم من الأمثال فتنتهوا أو تذروا ما أنتم فيه من التعسف والجهالة أفلا تبصرون بعقولكم ما فطرت عليه من الهداية والدلالة، فلا تعتقدوا المتناقض، فالنص في هذا التأويل، وفي الأول نص القلب، وفي الذي بينهما نص العين، وبالله التوفيق.

وقال في آية أخرى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً طَهُورًا * لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} .

فهذا امتنان.

وفي آية أخرى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} .

فهذا احتجاج على المعنى الذي بينته فيما مضى، لأن الله - عز وجل - قال: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} .

فإذا كان هذا قولهم، ثم أثبتوا لهم شريكًا يوجبه عليهم أن يقال لهم: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} .

أي إذا لم يكن أحد مهيأ لكم أن تشيروا إليه، فيقولوا: إن هذا الإله إن حبس الماء فذلك الإله يأتينا به.

فما معنى إثبات شريك لا يحصل منه إلا على اسم فارغ لا معنى تحته ولا حاصل له.

وقد حكي عن بعض جهال الملحدين، أنه مر بقوم يصلون وإمامهم يقرأ: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} فقال الرجل: والمعاول ولم يعلم أن الاحتجاج إنما وقع بالماء الذي هو غار، فصار الرجال لا يصلون بمعاولهم إليه فإن ذلك ما لم يمتحن لا يدري أن الماء قد خار لأن يخوره مفارقته المعدن المعهود له ولا يظهر ذلك إلا بعد أن يعمل الرجال معاولهم حتى يصلوا إلى معدنه وينابيعه.

فإذا وصلوا إليها وجدوها فارغة منه، ونزلوا عنها، ولم يحبسوا لها أثرًا، علموا أنه غار وإن ظهر ذلك لهم لم يغن الرجال والمعاول، وانصرفوا كما حضروا، فقد ضل سعيهم وهدر أمرهم، كما ضل سعي هذا الملحد في معارضته، وهذا أمره وبالله التوفيق.

وكل ما لم نكتبه مما يدخل في هذين المعنيين الامتنان والاحتجاج من الآيات، فهو مثل ما كتبنا، والعقلاء يعرفون ذلك ويدركونه إذا نظروا وتأملوا وبالله التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت