فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 1217

والأمر بالمعروف في مثل هذا النهي عن المنكر إن امتنع العالم المصلح أن يدعو إليه ويأمر به، فيكون منه ما يأمر به فعل.

وإن احتاج إلى الإستعانة بغيره استعان، وإن لم يقدر إلا على القول قال.

فإن لم يقدر إلا على الإرادة بقلبه أراده، ويشاؤه على الله - عز وجل - فلعله يسعفه به.

ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما يتعجل به، ومنه ما لا يحتمل التعجيل لأن من رأى أحدًا قد غصب من آخر مالًا أو حال بينه وبين أهله أو ولده، فلم يعاجله بالنصح لمن يأمن أن يعرف الأمر ويتعذر ملاقيه.

فأما لمن رأى شرب الخمر وقد بلغ به حد السكر، فإن قدر على أن يأخذ ما عنده منها فيريقه فعل.

أو كان عنده جماعة من أهل اللهو والباطل فقدر على أن يصرفهم عنه فعل.

ولكنه لا ينبغي له أن يكلمه حتى يفيق فيعلم ما يقال له.

فإنه إن كلمه وهو زائل عن العقل لم يأمن أن يفرط عليه، فيكون قد جمع بين تضييع النصيحة وبين التعرض للشر.

وينبغي أن يكون الأمر بالمعروف مميزًا يرفق في موضع الرفق، ويعنف في موضع العنف، ويكلم كل طبقة من الناس بما يعلم، أنه أليق بهم وأنجع فيهم.

ولا يخاطب أحدًا لفضل من الكلام لا يحتاج إليه فينفره بذلك عن قبول موعظته، ولا يدخل عليه مدخلًا يصير سببًا لرد نصيحته، أن لا يكون سلطانًا فله الأمر والنهي، ولا حاجة إلى استجلاب الطاعة من رعيته بالتآلف، إلا أن يكون السلطان ضعيفًا يعلم أنه يطاع رغبة ولا تدعى له رهبة.

فإن كان كذلك على سبيله فيما ذكرنا سبيل أحد العلماء المصلحين، وبالله التوفيق.

وكما لاينبغي لمن يقوم بهذا الأمر أن يعنف في موضع الرفق، فكذلك ينبغي له أن يرفق في موضع التعنيف، لئلا يستخف قدره ويقضي أمره.

وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، غير محابي ولا مداهن يتعرض لواحد ويعفى غير واحد.

فإنه بذلك يجعل على نفسه سبيلًا، كما إذا قام بذلك من ليس يصلح.

لأنه كما قال: أدرك نفسك وغير حالك، فكذلك يقال للآخر: إبدأ بجارك وقريبك، وأصلح من حاشيتك.

فينبغي أن يكون القائم بهذا الأمر ممن لا يتوجه عليه لأحد حجة.

قال الله عز وجل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} .

فدل ذلك على أن سبيل المرء أن يصلح نفسه أولًا ويقومها، ثم يقبل على إصلاح غيره وتقويمه.

قيل لبعضهم: ألا تذكر؟ فقال: ما أنا عن نفسي براض ما يفرغ من ذمها إلى ذم الناس، إن الناس خافوا الله في ذنوب الناس وأمنوه على أنفسهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت