وروى العرباض بن سارية السلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلّم: «إني عبد الله في أم الكتاب بخاتم النبيين، وإن آدم لمجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نورًا أضاءت له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات النبيين» .
فيحتمل هذا الحديث أن يكون قضى الله تعالى بأنه خاتم النبيين سبق خلقه، وكان قبل أن يكون أبو البشر، وأول الأنبياء صلوات الله عليهم، وأما قوله سأنبئكم بتأويل ذلك دعوة أبي إبراهيم، فيحتمل أن يكون معناه أن الله تعالى لما قضى بأن يجعل محمدًا خاتم النبيين.
وأثبت ذلك في أم الكتاب أنجز هذا القضاء بأن قبض إبراهيم الدعاء الذي ذكرنا ليكون إرساله إياه بدعائه كما تكون نقلته من صلبه إلى مكة أولاده أمام عيسى صلوات الله عليه.
فبشر به قومه فعرفه بنو إسرائيل قبل أن يخلق، وأرى أمه أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، ليدلها ذلك، على أنها تلد ولدًا تضيء بهداه الأرض، ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور والله أعلم.
وله - صلى الله عليه وسلّم - فيما اقتضت من الحال فضيلة أخرى.
وهو أنه كان نبي الحرم الذي فيه بنته الحجوج والماء من المعلوم فإن إبراهيم صلوات الله عليه بذلك دعا ربه فقال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ} .
وقد قال الله - عز وجل - في تفضيل البيت: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} وقال: {إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبِّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} ولم يخص بلدًا سواه بإضافته إلى نفسه بتخصيصه مكة بها، فدل ذلك على شرفها وفضلها عنده.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلّم: «إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما خرجت» فثبت بخبره.
أن مكة أفضل البلاد والله أعلم.
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إن الله خلق الخلق، فاختار من الخلق بني آدم، واختار من بني آدم العرب، واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشًا، واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم، فأنا من خيار إلى خيار، فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} .
قال: يقال ممن الرجل؟ فيقال: من العرب.
فيقال: من أي العرب؟ فيقال: من قريش.
وأما طهارة مولده، فقد روي عنه - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إنما أخرجت من فحاح، ولم أخرج من سفاح من لدن آدم، ولم يصبني سفاح الجاهلية، لم أخرج إلا من طهر» .